“حين تتحدث القوة… يسكت القانون: تأملات في ميزان العدالة المائل”

 

بقلم: أحمد علي بكري

مقدمة:

إذا كنتَ تحمل سلاحًا، وأنا أحمل سلاحًا، فيمكننا أن نتحدث عن القانون.

وإذا كنت تحمل سكينًا، وأنا كذلك، يمكننا أن نتناقش حول القواعد.

لكن إذا كنت تحمل مسدسًا، وأنا لا أملك سوى سكين، فأنت وحدك من يملك “الحقيقة” المطلقة.

وإن جئتَ أنت بالسلاح، وجئتُ أنا خالي اليدين… فاعلم أن ما تحمله ليس مجرد قطعة من حديد، بل حياتي نفسها معلقة على إصبعك.

بهذه العبارة الصادمة، نلخص مأساة ميزان العدل حين يُبنى على القوة لا على القيم.

العدالة… وهمٌ مشروط بتوازن القوة:

يحب البشر أن يتغنّوا بفكرة القانون، ويتحدثون عن المساواة، وعن مبادئ العدالة والأخلاق، لكن الحقيقة التي تُخفى عمداً خلف أروقة المحاكم وسطور الدساتير، أن هذه المبادئ لا تُبنى إلا إذا كان الطرفان متكافئين في القوة. فالقانون ليس ميثاقًا أخلاقيًا بين ملائكة، بل هو هدنة مؤقتة بين من يمتلك أنيابًا متقابلة.

حين يتساوى الخصمان في السلاح، تُجبر كل الأطراف على احترام ما يسمّى بالقانون، لا حبًا فيه، بل لأن كل طرف يعرف أنه سيدفع الثمن غاليًا إن انقلب عليه.

أما إذا اختل هذا الميزان، وكان أحدهم أقوى: بالسلاح، أو المال، أو النفوذ، فالقانون يصبح عصا غليظة بيده، يضرب بها خصمه ثم يتذرّع بها ليُحكم قبضته، فيصبح ما يُقال عن “العدالة العمياء” أقرب إلى نكتة سوداء.

المال، القوة، والحقيقة المُقيّدة:

في هذا العالم، حين يتحدث المال، تُجبر الحقيقة على الصمت.

وحين تتكلم القوة، حتى المال نفسه يتراجع ثلاث خطوات إلى الخلف.

القوانين التي يفاخر بها البشر، سُنّت في الغالب لا لضمان الحقوق، بل لتكبيل الضعفاء. ومن وضعها، هم ذاتهم من خرقها كلما ضاقت مصالحهم.

إنهم يريدون إيهام الضعفاء بأن القوة ليست ضرورية، وأن العدالة ستحميهم من التغوّل. لكن الواقع أثبت غير ذلك. فالموارد التي يتقاتل عليها الأقوياء، غالبًا ما تكون في يد الضعفاء، لا لأنهم اختاروها، بل لأنهم لم يستطيعوا حمايتها. وهنا تتجلى قمة السخرية: أن تُطلب منك الطاعة باسم “القانون الدولي”، بينما تُنهب مواردك في وضح النهار.

النسب… والسطو الجيني:

وفي ساحات الجينات والأنساب، لا يختلف المشهد كثيرًا.

فهناك من يمتلك المال، أو النفوذ، أو كليهما، ثم يدّعي نسبًا لا يخصه، لا لشيء سوى أنه ناسبه… أو ناسَب مقامه!

وحين يُطالب أصحاب النسب الحقيقي بالحقيقة، يُطلب منهم أن يتجردوا للعلم، ويُقيدوا بقواعد لا يلتزم بها خصومهم.

أصحاب الحق يصبحون “حلفاء” لمدّعي النسب، لا لأن الحق معهم، بل لأنهم ضعفاء لا يملكون منابر المال أو الدعم الإعلامي.

تُستخدم ضدهم أدوات “الترهيب”، و”التشويه”، و”التزييف العلمي”، ولكن حين يكونون أقوياء بالوعي، والتاريخ، والشواهد، والشهرة بين أصحاب هذا الموروث… فإن الحقيقة لا يمكن طمسها.

الختام: من يفرض الواقع؟

العدالة ليست كلمات مقدسة، بل توازن واقعي بين أطراف متساوية.

القانون لا يُفعل حين يكون في يد طرف واحد.

ومن يعتقد أن امتلاك الحقيقة وحده كافٍ دون حماية… فإنه واهم.

في هذا العالم، كل شيء جميل – النسب، الحقيقة، الأرض، الكرامة – يجب أن تقاتل لأجله. لا تنتظر من واضعي القوانين أن يحموك، لأنهم غالبًا من صمموها ليُحكموا بها قبضتهم على ما ليس لهم.

فاحمل سلاح الوعي، والمعرفة، والصوت القوي، قبل أن تجد نفسك خالي اليدين أمام مسدس منمق بكلمة “العدالة”.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

​سعوديو المنطلق والمسار.. شعب وقادة في خندق واحد

​بقلم: محمد باجعفر ​في عالمٍ يموج بالتغيرات والتحولات المتسارعة، وتتلاطم فيه أمواج التحديات والظروف الاقتصادية والجيوسياسية، تقف المملكة العربية السعودية كرمزٍ للثبات والمنعة، وكتلة واحدة لا تقبل التجزئة. ليست مجرد دولة على الخارطة، بل تجربة فريدة في التلاحم الوطني، تترجمها مقولة حية ترددها الأجيال: “نحن معاً يداً بيد.. قيادة وشعباً”. ​صف واحد.. وكلمة جامعة ​إن الوقوف صفاً واحداً مع الحكومة الرشيدة ليس مجرد شعار يُرفع في…

سلسلة حياتك السعيدة المقال (50): ميراث الرضا.. كيف تجعل قلبك حصنًا منيعًا ضد القلق؟

بقلم: د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان السعادة الحقيقية ليست في حياة تخلو تمامًا من الهموم، ولا في أيام تمضي دوماً وفق أمانينا، بل في قلب يستمد طمأنينته من الإيمان بالله تعالى، ويستقبل أقداره بالرضا، ويواجه تحديات الحياة بالأمل والعمل. وهذا هو «ميراث الرضا»؛ أن تأخذ بالأسباب وتعدّ لها ما استطعت، ثم تفوّض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى واثقًا بحكمته ورحمته، فلا يطغيك الفرح، ولا يستولي…

لقد فاتك ذلك

مصر تشارك لأول مرة في مهرجان “ليستاباد” السينمائي

مصر تشارك لأول مرة في مهرجان “ليستاباد” السينمائي

بيئة العرضيات ينفذ ورشة عمل للتعريف بمنصة العمل التطوعي

بيئة العرضيات ينفذ ورشة عمل للتعريف بمنصة العمل التطوعي

بيئة العرضيات ينفذ ورشة تدريبية للمتدربات في مجال الإنتاج الحيواني 

بيئة العرضيات ينفذ ورشة تدريبية للمتدربات في مجال الإنتاج الحيواني 

تدشين محطة الفولية لإنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية.. الأولى في الجزائر والثانية في إفريقيا

تدشين محطة الفولية لإنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية.. الأولى في الجزائر والثانية في إفريقيا

( علوم المرجلة) من الحبر إلى المنصّة.. نادي الريادة الأدبية يحتفي بأولى خطوات أشواق أبو سيف في عالم التأليف

( علوم المرجلة) من الحبر إلى المنصّة.. نادي الريادة الأدبية يحتفي بأولى خطوات أشواق أبو سيف في عالم التأليف

الجزائر وقطر تؤكدان أهمية دعم الجهود الرامية لتحقيق استقرار أسواق النفط

الجزائر وقطر تؤكدان أهمية دعم الجهود الرامية لتحقيق استقرار أسواق النفط

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode