شمعة

 

محمد الرياني

أشعلتْ لي شمعةَ الأملِ في ظلمةِ الليلِ وأنا أعاني من الألم ، قالت لي بصوتها الرخيم الهادئ : نم قريرَ العينِ واملأ رئتيك راحةً وتنفسْ بعمقٍ واستمتعْ بأحلامك ، أخذتُ نفَسًا عميقًا ووضعتُ يدي على موضعِ ألمي وأنا أتمتمُ بدعاءِ الشفاءِ وأقول : أسأل اللهَ أن يسمعَ دعاءها ويجبرَ خاطرها تلك التي أرسلتْ في منتصفِ الليلِ لحنَ الحياة ، نمتُ سريعًا دون تردد ، نسيتُ أوجاعي وآلامي ، وضعتُ كفِّي تحت خدي الأيمن بينما رجلي اليسرى المثقلة بالألم فوق أختها وكأنهما صديقتان حميمتان لم تر إحداهما الأخرى منذ زمن ، مرَّ الليلُ سريعًا ، غابت الأحلامُ الموحشةُ وكأنَّ الألم سيغيبُ معها ،حاولتُ أن أتذكر شيئًا من الأحلام فلم تسعغني ذاكرتي ، في الصباح بدأتُ أستعيد توازني وأنا أنظر إلى الشمعة التي أشعلتُها بالفعل أمامي ، كان الصباحُ في غايةِ الروعةِ وأنا أسمع صوتَ العصافيرِ من شباك غرفتي ، اقتربتُ من الشمعةِ ووضعتُها قريبًا من موضعِ الألم ، تجهزتُ لأبحثَ عن مَخرجٍ جديدٍ في يوم آخر ، توكأتُ على عكازي التي أحملها لأولِ مرةٍ منذ أن خطوتُ على الأرض ، ما أروعَ العكاز ! إنها قطعةُ خشبٍ مستقيمةٍ تفعل أشياءَ عظيمة ، خرجتُ مستندًا عليها أنشدُ عالمًا جديدًا يقول لي : سلامات ، بالفعل كان معظمُ المارَّةِ يقولون لي كذلك وينصحني بعضهم بعكازٍ أكثرَ أناقةً يليقُ بشخصي ، تذكرتُ قولها في المساء : لاتتردد في إشعالِ شمعةِ الأملِ الصغيرة فغدًا يكبر الأملُ معها ، عدتُ إلى الماءِ الدافئ الخارجِ من السخان لأجددَ نشاطي حتى أذهب إلى الطبيبِ المعالج ، بالفعلِ فعلتْ معي العكازُ شيئًا مذهلًا لم أكن أتوقعه وأنا أسير بمفردي ، كان الطبيبُ رائعًا وذكيًّا وهو يصفُ لي العلاجَ لرحلةٍ جديدةٍ مختلفةٍ عما مضى ، قال إن العمرَ يصعد بنا نحو درجاتِ السلم بضعفٍ أو بقوةٍ وعلينا اجتياز الدرجاِت بوهنٍ أو بعزيمة ، شعرتُ بارتياحٍ وأمل ، كان الطبيبُ صريحًا ورائعًا لكن التي دعتْني للذهاب إليه لإشعال الشمعةِ كانت أكثرَ روعة ، عدتُ وأنا أنتظرُ المساءَ من أجلِ شمعةٍ جديدة وعكازي معي ترافقني حتى حلَّ المساء ، شعرتُ بشيءٍ من الارتياح ، جاءني مَن يطرقُ البابَ وبيده شمعاتٌ ملونة وليس شمعة واحدة ، وجدتُ معها ورقةً وقد كتبتْ عليها : دعِ العكازَ جانبًا واستمتع بدفءِ الشمعِ ولونِ اللهب ، نظرتُ في وجهِ النارِ الأصفرِ الذي يومض أمامي في ثباتٍ وكأنه لونُ وجهها ، انزويتُ بعيدًا من أجلِ ألا أختنق ، وضعتُ كفي تحت رأسي من جديد وأنا أمسِّدُ موضعَ الألمِ وأنتظرُ أحلامي القادمةَ على ضوءِ شمعةٍ صغيرة.

صدى نيوز إس 5

Related Posts

وصايا آل حية لخطيب الجمعة

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه  المنبر مسؤولية شرعية وتربوية، والخطبة الناجحة تجمع بين إخلاص النية، وصحة العلم، وحسن الإلقاء، وفقه الواقع، والحكمة في توجيه الناس تُعد خطبة الجمعة من أعظم وسائل التوجيه والإرشاد في المجتمع المسلم؛ إذ يجتمع المسلمون في المساجد للاستماع إلى الموعظة والتذكير بأمور دينهم ودنياهم، ويقف الخطيب أمامهم حاملًا أمانة الكلمة ومسؤولية البيان، ساعيًا إلى إصلاح القلوب، وتقويم السلوك، وتعزيز الوعي…

من يبكي على طعنات قديمة لن يشفى

دكتور حسن لأمير تسكننا أحياناً عبارات تبدو في ظاهرها عظة لكنها في باطنها هندسة كاملة للروح……. وحين نتأمل جملة “من يبكي على طعنات قديمة لن يشفى” فإننا  لا نقف أمام نصيحة عابرة بل نواجه تشريحاً لغوياً وفلسفياً عميقاً لكينونة الإنسان في صراعه الأبدي مع الزمن والذاكرة…… لو فككنا هذه العبارة لغوياً لوجدنا أن الفعل “يبكي” لم يأت هنا ليدل على مجرد انسكاب الدمع بل جاء ليعبر…

لقد فاتك ذلك

الشيخ عبداللطيف الفوزان يقيم حفل عشاء تكريمًا لوزير الشؤون الإسلامية

الشيخ عبداللطيف الفوزان يقيم حفل عشاء تكريمًا لوزير الشؤون الإسلامية

ضمن نخبة من أبرز العلماء والمفكرين حول العالم الأمير تركي الفيصل عضواً في أكاديمية المملكة المغربية

ضمن نخبة من أبرز العلماء والمفكرين حول العالم الأمير تركي الفيصل عضواً في أكاديمية المملكة المغربية

أدبي جدة يحتفي بتجربة الفنان الرائد طه صبان

أدبي جدة يحتفي بتجربة الفنان الرائد طه صبان

ترقية الأستاذ فايز الأحمدي إلى المرتبة الحادية عشرة بالجامعة الإسلامية

ترقية الأستاذ فايز الأحمدي إلى المرتبة الحادية عشرة بالجامعة الإسلامية

وصايا آل حية لخطيب الجمعة

وصايا آل حية لخطيب الجمعة

من يبكي على طعنات قديمة لن يشفى

من يبكي على طعنات قديمة لن يشفى

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode