الشيخ الاستاذ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد الحرام

 

د. منصور نظام الدين: مكة المكرمة:-

ألقىالشيخ الاستاذ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي – إمام وخطيب المسجد الحرام اليوم، خطبة الجمعة من المسجد الحرام.

وقال فضيلته: إن من صفات الإنسان الضعف، وهو حالته، وعليه أساسه وجبلته، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف)، وقال سبحانه: (وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا) أي عاجزًا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه وقواه؛ حتى إنه لا يصبر عن اتباع الشهوات، ولا يتمالك نفسه أمام المغريات إلا من عصمه الله، وإن العبد مهما بلغت قدراته وتعددت مواهبه ومهاراته، فلا ينبغي له أن يركن إلى نفسه، دون أن يستعين بربه؛ فإنه متى أعجب بنفسه وغفل عن ربه ذل وخذل وضل؛ إذ لا غنى له عن ربه طرفة عين، لا مرية في ذلك ولا مين، بل لا بد له من إظهار الضعف والفقر لربه والحاجة إليه والافتقار بين يديه؛ فمنه سبحانه يستمد العون والسداد وتستلهم الهداية والرشاد، كما في الحديث القدسي “يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم”، وهذا هو شأنه عليه الصلاة والسلام في صلته بربه وإقباله عليه وإخباته إليه فمما كان يقول في دعائه: (أنا بِك وإليك)، أي: بك أعتمد وإليك التجئ، ومما أرشد إليه -صلى الله عليه وسلم- ابنته فاطمة أن قال لها “مَا يَمنعُك أَن تسمعي مَا أُوصيك بِه، أَن تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْت وَأَمْسَيْت: يَا حَيّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمتك أسْتَغِيث، أَصْلِح لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفة عَيْنٍ”.

وأشار الدكتور غزاوي إلى أن من حقق التوكل على الله لم يكله إلى سواه، وتولاه بنفسه كما تولى نبيه محمدًا مصطفاه، قال جل في علاه مذكرًا بمنته عليه وحفظه له ممن عاداه: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)، وفي هذا دليل على شدة افتقارنا إلى تثبيت الله إيانا فينبغي ألا نزال متضرعين لربنا ومولانا أن يثبتنا على الإيمان، ساعين في كل سبب موصل إلى ذلك في كل حين وآن، وأن نلجأ إلى ربنا دائمًا فهو حسبنا وهو المستعان وعليه التكلان.

وأوضح فضيلته: أن الإعجاب بالنفس وتعاظمها أشر أنواع الكبر وأخبته، ومن أشد ما يفتك بقلب العبد ويفسده، ومتى وكل العبد إلى نفسه غلبته وقهرته وأسرته وأهلكته وتخلت عنه عناية الرحمن وأحاط به الخذلان. فهذا إبليس اللعين أعجب بحاله واغتر بنفسه وأصله؛ إذ قَالَ: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) فطرده الله من رحمته وباء بسخطه ومقته، وذاك صاحب الجنتين الجاحد لفضل ربه، لما أُعجب بنفسه، فأصبح في حسرته وندامته، ولما أُعجب من أعجب في حنين بالكثرة، وقيل: “لن نغلب اليوم من قلة”، وكلوا إلى كثرتهم فخذلوا وانهزموا ثم تداركهم الله بنصره حتى ظفروا، مبينًا أن العجب بالنفس والاغترار بالذات من أعظم ما يعيقنا عن السير إلى ربنا ويصرفنا عن جادة قصدنا، وفي مقابل ذلك علينا أن نعلم أن من وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته، واعتقد أنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوته؛ فقد حقق التوكل على ربه في توفيقه وتسديده وإصلاح شأنه، وهو جدير بأن يتكفل الله بحفظه وعصمته، ولا يكله إلى نفسه، وهذا من أعظم المنن ومن أجل النعم، فمما دعا يوسف عليه السلام ربه: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بالصَّالِحِينَ) وما كان قوله ذلك إلا هضمًا لنفسه، وإقرارًا بفاقته إلى فضل ربه.

وشرح فضيلته أن الإعجاب بالنفس من الخصال المهلكة كما جاء في الحديث: (فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه وعقوبة هذا الخلق السيئ عظيمة فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ به الأَرْضَ، فَهو يَتَجَلْجَلُ فيها إلى يَوْمِ القيامة) والخسف هو ذات العقوبة التي أخذ بها قارون الذي أبطرته النعمة فجحد منة ربه، وأخذته العزة بالإثم فأعجب بنفسه، وقال لقومه: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى علم عِنْدِي.

وأضاف فضيلته: أن للعجب بالنفس والاتكال عليها مظاهر كثيرة وصورًا متعددة، فقد يعجب المرء بقدرته ورباطة جأشه؛ فيقتحم أبواب الشرور والفتنة؛ مدعيًا عدم تأثره بشيء؛ لما يتوهمه في نفسه من حصانة وعصمة، وقد يعجب المرء بما وهبه الله من فهم وذكاء؛ فيظن أن عنده من الفطنة ما يعجز عنه النجباء، وقد يعجب المرء بسعة علمه، ويغتر بكثرة معرفته فيصده ذلك عن الاستزادة، وترك الاستفادة، ويباهي بعلمه ويفاخر، ويماري به ويكابر، وقد يعجب المرء بما أوتي من مال وفير، ويعتقد أنه بذاك جدير، فيبدده كفعل السفيه، ويمنع حق الله فيه، وقد يعجب المرء بجهده وما نال به مراده وبذل من أجله السبب، فيكبر في نفسه أنه بكدحه قد حقق الإنجاز وظفر بما طلب، وقد يثني على ذاته بما يورده الهلاك والعطب، فتجده يقول: بكدي بتعبي بسعيي بعرق جبيني وهكذا؛ فينسب الفضل لنفسه ويجحد منة ربه، وقد يعجب المرء بقدره ويعتد بذاته، فيجحد فضل الله وعطاءه ويرى أنّ ما ناله هو دون استحقاقه، بل يحسد صاحبه على النعمة ويتمنى وقوعه في النقمة ويقول: “لم لا أعطى مثل فلان؟ وهل فلان أفضل مني؟!”، وقد يعجب المرء بشرفه ويفاخر بنسبه وأصله، فيقعد عن اكتساب المعالي، ولا ينهض لطلب العوالي وينسى أن من بطأ به عمله لم يرفعه نسبه، وقد يعجب المرء بجمال منظره وهيئته ويغفل أن قيمة المرء تكمن في نقاء روحه وسمو خُلقه، وهكذا فمن ركن إلى نفسه وسكن إليها فأعجب بها واعتمد عليها، وغفل عن محاسبتها استبد برأيه وانفرد، وعن المشورة ابتعد، يستوحش ممن ينقده، ويأنف ممن يستدرك عليه ويرشده؛ فأظلم قلبه وعميت بصيرته، وأغلق دون الإصلاح كل باب، وأضحى في عتو وتيه بلا إياب.

وأفاد فضيلته: أنه لدفع داء العجب والاغترار لا بد للعبد من أن يعلم أن النعمة التي بين يديه قد يسلبها مسديها المنعم المنان، وأن يشهد عظمة ربه ومنته وتوفيقه وإعانته وينظر عيوب نفسه وما هي عليه من العصيان، فمشاهدة المنة، توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل الأحيان، ومن عرف ربه حق المعرفة وأبصر حقيقة حاله ومآله، صغرت في عينه نفسه، ولم ير فيها إلا محض العجز والفاقة والنقصان.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

فرع هيئة الصحفيين بجازان ينفذ ورشة إعلامية بفعاليات حصاد المانجو تسلط الضوء على دور الإعلام في تعزيز الوعي البيئي

          أكد عدد من المختصين الزراعيين المشاركون في ورشة العمل التي نظمها فرع هيئة الصحفيين السعوديين بمنطقة جازان بالتعاون مع الجمعية التعاونية للمانجو والفواكه الاستوائية بمنطقة جازان ، أن الإعلام البيئي يُعد شريكًا رئيسًا في دعم الجهود التوعوية ، من خلال نقل الرسائل الإرشادية بأساليب مؤثرة تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي ، وتشجيع الممارسات الصديقة للبيئة ، وإبراز المبادرات والقصص الملهمة المرتبطة…

الدكتور عبدالله الجعيد: تيدكس عكاظ جسّد معنى “أثر يمتد” بتجارب إنسانية ملهمة وتنظيم احترافي بالطائف 

د. منصور نظام الدين : الطائف:- أكد الدكتور عبدالله بن ثلاب الجعيد أن مؤتمر تيدكس عكاظ 2026، الذي أُقيم في محافظة الطائف تحت شعار “أثر يمتد”، مثّل ظاهرة معرفية وإلهامية مميزة، جمعت بين عمق الفكرة وجمال التجربة وحسن التنظيم، مشيدًا بما شهده المؤتمر من تنوع في الطرح، وثراء في القصص الإنسانية، وحضور لافت يعكس أهمية مثل هذه المنصات في صناعة الوعي وبناء الأثر الإيجابي في المجتمع.…

لقد فاتك ذلك

مكة المكرمة عبقرية المكان

مكة المكرمة عبقرية المكان

وفاة ابن العم عبدالرحمن يحيى محمد إبراهيم راجح إثر حادث مروري

وفاة ابن العم عبدالرحمن يحيى محمد إبراهيم راجح إثر حادث مروري

جمعية دار الموسوعة الخيرية تنظم مساء اليوم اللقاء المعرفي بعنوان : الحج في عيون المستشرقين والرحالة

جمعية دار الموسوعة الخيرية تنظم مساء اليوم اللقاء المعرفي  بعنوان : الحج في عيون المستشرقين والرحالة

آدم واللسان الأول للبشرية المفتاح لفهم تاريخ اللغات والحضارات

آدم واللسان الأول للبشرية المفتاح لفهم تاريخ اللغات والحضارات

نخبة من الخبرات تلتقي غدًا في الجلسة الحوارية ضمن ملتقى حفظ النعمة الأول بجازان

نخبة من الخبرات تلتقي غدًا في الجلسة الحوارية ضمن ملتقى حفظ النعمة الأول بجازان

نجاح تدخل دماغي تداخلي عاجل ينقذ حاجة باكستانية من نزيف دماغي حاد بمدينة الملك عبدالله الطبية

نجاح تدخل دماغي تداخلي عاجل ينقذ حاجة باكستانية من نزيف دماغي حاد بمدينة الملك عبدالله الطبية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode