حين تأكل المدن أبناءها… ويبقى الوفاء وحده شاهدًا

بقلم: عادل عبدالله باحشوان

لم يكن الدكتور عبدالرحيم مجرد صديق…

كان حالة إنسانية نادرة، رجلٌ إذا دخل مكانًا امتلأ به، وإذا غاب… ترك فراغًا لا يُملأ.

 

عرفته قريبًا… قريبًا جدًا،

سافرنا معًا، وضحكنا، واعتمرنا، وتقاسمنا الطريق كما يتقاسم الأخوان ذاكرة العمر.

كان طيبًا إلى درجةٍ تُخيف… لأن الطيبين في هذا الزمن يدفعون الثمن مضاعفًا.

 

أتذكر تلك الليلة في الإسكندرية… عام 74،

حين نمت في غرفته، وغرفة طالب الطب ليست كأي غرفة…

كانت الهياكل العظمية تحيط بي من كل زاوية.

في البداية أقنعت نفسي أنها مجسمات بلاستيكية…

لكن الحقيقة كانت أبرد من ذلك بكثير.

 

في الليلة الثانية… لم أستطع النوم،

قمت أتحسسها… فإذا بها عظام بشرٍ رحلوا،

وقفت أمامها لحظة، ثم ضحكت على نفسي،

وأمسكت بكف أحد الهياكل، وجلست أحدثه كأني طالب مجتهد،

أو ربما… كأني أدرّب نفسي على مواجهة الحياة التي لا ترحم.

 

ذلك الدكتور… الذي كان ينام بين العظام،

كان قلبه… حيًّا أكثر من كل من حوله.

 

 

جيزان…

تلك المدينة التي نحبها حد الألم،

لكنها – أحيانًا – تأكل أبناءها بقسوة.

 

رأيته في أيامه الأخيرة…

لم يعد ذاك الرجل الذي إذا دخل بيته امتلأ بالزوار،

ولا ذاك الذي إذا ذهب للمزرعة تبعه العشرات،

ولا ذاك الذي لا يمشي وحده أبدًا.

 

اختفى الجميع…

وبقي هو… وبعض القليل…

وأنا… كنت أذهب إليه كل ليلة،

لا لشيء… إلا لأقول له: أنا هنا.

 

سألته يومًا:

“ليش ما تسافر؟ الهند… الإسكندرية… عندك مستشفيات هناك؟”

ابتسم… تلك الابتسامة التي لا تُنسى،

ابتسامة رجلٍ يعرف الحقيقة، ولا يريد أن يجرح أحدًا بها،

وقال:

“مستشفيات؟… ما عندي شيء… الحمدلله.”

 

وأدركت حينها…

أن نصف ما نسمعه عن الناس… أكاذيب،

والنصف الآخر… أوهام صنعناها نحن.

 

 

كان صادقًا… حتى في غضبه.

 

حكى لي يومًا عن موقفٍ مع وزير،

حين تم تعيين طبيبٍ مخالف كنوعٍ من العقوبة،

فوقف وقال – دون خوف –:

“مرفوض… مرفوض تكون جيزان ومستشفياتها وصحة أهلها عقاب أو جزاء.”

 

كلمات… قد لا يفهمها البعض،

لكنها عندي… كانت شهادة شجاعة،

ومن بعدها… تحسّنت العلاقة،

لأن الصدق – مهما كان قاسيًا – يُحترم.

 

 

وحين سألت الأمير محمد بن ناصر عن أكرم الناس في جيزان…

ذكر اسمًا،

فقلت له ممازحًا: “هذا كزيم معك بس نغيّر الموضوع”

فضحك…

وقال: “سمعت أن الدكتور عقيل فاتح بيته… الله يرحمه.”

 

وهكذا كانوا…

بيوت مفتوحة، وقلوب أوسع من المدن.

 

والده الشيخ محمد عقيل – رحمه الله –

كان إذا مرض، يسافر إلى أسمرة في إريتريا،

إلى طبيب إيطالي،

ثم يعود ليحكي تفاصيل الرحلة،

كأنها قصة حياة… لا مجرد علاج.

 

جيلٌ… كان يرى في السفر تجربة،

وفي المرض درسًا،

وفي الحياة… حكاية تُروى.

 

 

آل عقيل…

ليسوا مجرد أسماء،

بل مواقف، وثقة، ورجالٌ إذا عرفتهم… عرفت معنى الثبات.

 

 

الدكتور عبدالرحيم…

رحل،

لكن بقيت في صدري تلك الليالي،

وتلك الضحكة،

وتلك الابتسامة الحزينة التي قالت كل شيء دون أن تقول شيئًا.

 

تعلمت منه درسًا لا يُنسى:

أن الإنسان لا يُقاس بعدد من حوله…

بل بمن يبقى معه حين يرحل الجميع.

 

 

جيزان…

ليست مكانًا لكل عابر،

هي ذاكرة… ووجع… وحب… ووفاء.

 

لكنها – ككل المدن –

تختبر أبناءها…

ومن يصمد… يبقى اسمه حيًا،

حتى وإن غاب جسده.

 

رحم الله الدكتور عبدالرحيم…

ورحم زمنًا…

كان الإنسان فيه إنسان

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين يهزم الشغف المليارات: كيف فضحت Clair Obscur: Expedition 33 انهيار صناعة الألعاب الحديثة

  بقلم أحمد علي بكري في زمنٍ أصبحت فيه صناعة الألعاب أشبه بمصانع عملاقة لإنتاج الأرباح السريعة، ظهرت لعبة فرنسية صغيرة لتقلب الطاولة على الجميع. لم تأتِ من شركة تملك آلاف الموظفين، ولا من ناشر يضخ مئات الملايين في الإعلانات، ولم تعتمد على اسم تاريخي ضخم أو سلسلة جماهيرية عريقة. بل خرجت من استوديو مغمور اسمه Sandfall Interactive، بميزانية تقل عن عشرة ملايين دولار، وفريق لا…

فيزياء الصعود وسيكولوجيا السقوط: جدلية “التكليف” و”فن التسويق” في ميزان الاستحقاق

  بقلم: أحمد علي بكري ليست المناصب تاجًا يوضع فوق الرؤوس بقدر ما هي أثقال تُلقى فوق الأكتاف. وهذه الحقيقة يحاول كثير من الناس الهروب منها لأنهم ينظرون إلى “بريق المنصب” لا إلى “تكلفة البقاء فيه”. فكل إنسان يرى الكرسي من الخارج يظنه امتيازًا خالصًا، لكنه لا يرى ما خلف الجدران من ضغط، ومراقبة، واستنزاف، وحرب صامتة لا تهدأ. ولهذا كانت المناصب في حقيقتها “تكليفًا قبل…

لقد فاتك ذلك

تعليم الطائف ينظم لقاء “التجارب الرائدة في الأنشطة الطلابية”

تعليم الطائف ينظم لقاء “التجارب الرائدة في الأنشطة الطلابية”

مشاركة واسعة وجودة إنتاج مميزة في ختام مهرجان المانجو الثالث بالمخواة

مشاركة واسعة وجودة إنتاج مميزة في ختام مهرجان المانجو الثالث بالمخواة

حين يهزم الشغف المليارات: كيف فضحت Clair Obscur: Expedition 33 انهيار صناعة الألعاب الحديثة

حين يهزم الشغف المليارات: كيف فضحت Clair Obscur: Expedition 33 انهيار صناعة الألعاب الحديثة

فيزياء الصعود وسيكولوجيا السقوط: جدلية “التكليف” و”فن التسويق” في ميزان الاستحقاق

فيزياء الصعود وسيكولوجيا السقوط: جدلية “التكليف” و”فن التسويق” في ميزان الاستحقاق

عندما يتحول مدير المدرسة من “قائد أثر” إلى “كاتب نوايا”

عندما يتحول مدير المدرسة من “قائد أثر” إلى “كاتب نوايا”

تعليم الطائف‬⁩ ينظم حفل ختامي لمبادرتي «سمو» و«إسهام»

تعليم الطائف‬⁩ ينظم حفل ختامي لمبادرتي «سمو» و«إسهام»

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode