بقلم الدكتورة/
نسرين الطويرقي :
في الميدان التربوي اليوم ظاهرة خطيرة لا يتحدث عنها أحد، لكنها تهدم كل جهود الجودة من أساسها: المدير في الخطة التشغيلية لا يكتب النسب،
ولا يقيس الأثر، ولا يُكمل الأوراق.
فتتحول الخطة التشغيلية من “خارطة طريق للتطوير” إلى “وثيقة نوايا حسنة” مكانها درج المكتب.
أولاً: تشريح الواقع…
3 كوارث في خطة واحدة
الكارثة الأولى: غياب النسب… لغة الأهداف الهلامية
افتح أي خطة تشغيلية وستجد العبارة القاتلة: “تحسين مستوى التحصيل الدراسي”.
تحسين؟ كم؟ 1% أم 50%؟
“خفض نسب الغياب”. إلى كم؟
“تفعيل الشراكة المجتمعية”. ما هو المستهدف؟ شراكة واحدة أم عشر؟
غياب النسب يعني غياب الالتزام. عندما لا تكتب “خفض الغياب من 12% إلى 5% بنهاية الفصل الثاني”، فأنت لم تعد أحداً بشيء. وبالتالي لا أحد سيحاسبك. تحولت الخطة من “عقد تطوير” إلى “أمنيات إدارية”.
الكارثة الثانية: موت قياس الأثر… نعمل ولا نعلم لماذا
ينتهي العام، ونسأل المدير: ما أثر مبادرة “التعلم النشط” التي كلفت 20 ألف ريال؟
الجواب: “كانت مبادرة رائعة وتفاعل معها المعلمون”.
هذا ليس أثراً. هذا انطباع.
أين المقارنة القبلية والبعدية؟ أين نسبة تحسن نتائج الطلاب في المواد المستهدفة؟ أين مؤشر الدافعية قبل وبعد؟
بلا قياس أثر، نحن ندور في دائرة مفرغة: نخطط، ننفذ، نحتفل، ثم نعيد نفس الأخطاء العام القادم لأن لا أحد أثبت بالأرقام أنها أخطاء.
الكارثة الثالثة: الأوراق الناقصة… خطة بلا ذاكرة
الخطة التشغيلية ليست “نموذج بداية العام”. هي “ملف حي” يُستكمل كل شهر.
لكن الواقع: خانة “مؤشرات المتابعة” فارغة. خانة “الشواهد” فارغة. خانة “نسبة الإنجاز” تُعبأ جزافاً 100% ليلة زيارة المشرف.
فلا نملك في نهاية العام “تقرير إغلاق” يثبت ماذا تحقق وماذا تعثر ولماذا. فتصبح خطة العام القادم “نسخ ولصق” من العام الحالي، مع تغيير التاريخ فقط.
ثانياً: لماذا يحدث هذا؟ جذر المشكلة
ثقافة “إكمال الملف”: المدير تعود أن المشرف يسأل “هل رُفعت الخطة في نور؟” ولا يسأل “هل حققت الخطة أثرها في الميدان؟”. فأصبح الهدف هو “رفع الملف” لا “تحقيق الملف”.
الخوف من الأرقام: كتابة نسبة “خفض الغياب إلى 5%” تعني أنك ملتزم. وإذا وصلت 6% ستُسأل. فالأسهل كتابة “العمل على خفض الغياب” وهي عبارة مطاطة لا تُحاسب.
جهل بالأدوات: كثير من المديرين -إلا من رحم ربي- لا يعرف كيف يستخرج “خط الأساس” من نور، ولا كيف يبني “مؤشر أداء” قابل للقياس. فنهرب إلى العموميات.
انعدام المساءلة الحقيقية: متى حُوسب مدير لأنه كتب في خطته “رفع التحصيل 15%” وحقق 5% فقط؟ لا أحد. بينما يُحاسب لو نسي شعار الوزارة في ترويسة الخطة.
ثالثاً: النتيجة… مدرسة “تشتغل” لكنها لا “تتطور”
عندما لا يكتب المدير النسب، ولا يقيس الأثر، ولا يكمل الأوراق، نحصل على:
مدرسة تنظيرية: كلها خطط على الورق، واجتماعات، وملفات ملونة. لكن الطالب هو نفسه، والنتائج هي نفسها.
هدر مضاعف: هدر مال في برامج لا نعرف أثرها، وهدر جهد معلمين يُنفذون تعليمات لا يقيس أحد جدواها.
تقويم مدرسي مزيف: نحصل على “متميز” في التقويم الخارجي لأن الملف مكتمل شكلياً، بينما “نواتج التعلم” في تقارير الاختبارات الوطنية متدنية. فنحن ننجح ورقياً ونفشل ميدانياً.
إحباط الكفاءات: المعلم المتميز الذي يحقق قفزات مع طلابه لا يجد نسبة في الخطة تشهد له، فيتساوى مع من لا يعمل. فتُقتل روح المبادرة.
رابعاً: الحل… 4 مسامير في نعش “الخطة العمياء”
قرار وزاري: “لا خطة بلا نسبة”. يُمنع من اعتماد أي خطة تشغيلية في نظام “نور” لا تحتوي على 3 أشياء: نسبة مستهدفة رقمية، أداة قياس، تاريخ قياس. الخانة الفارغة توقف الاعتماد تلقائياً.
تفعيل “تقرير الإغلاق الإجباري”: في نهاية العام، لا تُقفل الخطة إلا بتعبئة “نسبة التحقق الفعلية” لكل هدف، مع إرفاق الشاهد الرقمي. ومن حق المشرف أن يرفض التقرير إذا كُتب “تم بنجاح” بدل “تحقق بنسبة 73%”.
تدريب المديرين على “لغة الأرقام”: قبل بداية كل عام، ورشة إلزامية لكل مدير عنوانها: “كيف أحول هدفي من جملة إنشائية إلى مؤشر أداء؟”. ففاقد الشيء لا يعطيه.
ربط التقويم بالأثر لا بالأوراق: 70% من درجة تقويم المدير تكون على “نسبة تحقق مؤشرات خطته التشغيلية” الموثقة، و30% على الالتزام الإجرائي. وقتها سيكتب المدير النسبة بنفسه، ويتابعها بنفسه.
الخاتمة: الخطة ليست ديكوراً
الخطة التشغيلية بلا نسب هي “وعد كاذب”. وبلا قياس أثر هي “جهد ضائع”. وبلا أوراق مكتملة هي “ذاكرة مثقوبة”.
إن استمرار مدير المدرسة في كتابة خطط “عمياء” لا ترى الأرقام ولا تقيس الأثر، يعني أننا نرضى بمدارس “تتحرك” لكنها لا “تصل”.
الجودة الحقيقية تبدأ عندما يجرؤ المدير على كتابة: “هدفي أن أرفع التحصيل من 74% إلى 85%”، ثم يعود في نهاية العام ليقول بكل شجاعة: “وصلنا إلى 82%، وهذا هو السبب، وهذه هي خطة المعالجة”.
فشكراً لكل مدير حول خطته من
“ملف يُستكمل” إلى “ميثاق يُحترم”… لأنه هو القوي الأمين على مستقبل أبنائنا.






