سفينة بلا قبطان… حين تتحول الرحلة إلى مصير مجهول

 

الأعلامي/ خضران الزهراني

في عرض البحر، حيث تتلاطم الأمواج وتتعاقب الرياح، لا تكون السفينة مجرد هيكلٍ عائم، بل منظومة حياة متكاملة يقودها عقلٌ وخبرة، يُطلق عليهما اسم “القبطان”. وحين تُترك السفينة بلا قبطان، فإنها لا تفقد قائدها فحسب، بل تفقد بوصلتها، وقرارها، وقدرتها على النجاة.

قد تبدو السفينة في ظاهرها قوية، متماسكة، قادرة على شق المياه بثبات، لكن الحقيقة التي يدركها أهل البحر أن القوة وحدها لا تكفي. فالأمواج لا تُهزم بالقوة، بل بالحكمة، ولا تُدار المخاطر بالصدفة، بل بالقرار السليم في الوقت المناسب.

قصة من عرض البحر

يُروى أن سفينة شحن كبيرة فقدت قبطانها بشكل مفاجئ أثناء رحلة طويلة. كان الطاقم موجودًا، والمحركات تعمل بكفاءة، وكل شيء يبدو تحت السيطرة. لكن مع اقتراب عاصفة قوية، بدأ الارتباك يظهر. من يقرر تغيير المسار؟ من يحدد سرعة الإبحار؟ من يقرأ حركة الرياح؟

تعددت الآراء، وتضاربت القرارات، وكلٌ ظن أنه الأقرب للصواب. وفي لحظة حاسمة، تأخر القرار… فضربت الأمواج السفينة بقوة، وتعرضت لأضرار جسيمة كادت تُنهي الرحلة بالكامل. لم يكن الخطر في العاصفة وحدها، بل في غياب من يقود لحظة المواجهة.

قصة أخرى… أصغر لكنها أبلغ

في رحلة صيد بسيطة، خرج ثلاثة شبان بقارب صغير. كان أحدهم الأكثر خبرة، لكنه ترك القيادة لرفيقيه بدافع المزاح. ومع تغير مفاجئ في اتجاه الرياح، فقدوا السيطرة على القارب، وبدأوا ينجرفون بعيدًا. عندها فقط أدركوا أن القيادة ليست ترفًا، بل ضرورة. وحين عاد القائد ليمسك الدفة، كان الوقت قد تأخر قليلًا، لكن القرار الحاسم أنقذهم في اللحظة الأخيرة.

الدروس التي لا تُغرقها الأمواج

السفينة بلا قبطان ليست مجرد صورة بحرية، بل رمز عميق لكل منظومة في الحياة:

مؤسسة بلا قائد واضح تتخبط في قراراتها

أسرة بلا توجيه تضيع بوصلتها

إنسان بلا هدف يتقاذفه الواقع

القيادة ليست سلطة، بل مسؤولية. وليست أوامر، بل رؤية ووعي وقدرة على اتخاذ القرار حين يتردد الآخرون.

حين تشتد الأمواج

في الأوقات الهادئة، قد تسير السفينة بلا مشاكل حتى لو غاب القبطان، لكن الحقيقة تظهر عند الشدائد. فالأزمات لا تحتاج كثرة الأيدي، بل تحتاج عقلًا يقودها.

وهنا تتجلى أهمية القبطان: ليس لأنه موجود في كل لحظة، بل لأنه حاضر حين لا يحتمل الغياب.

الخاتمة

قد تُبحر السفينة بلا قبطان… نعم. لكنها تبحر نحو المجهول، وتبقى معلقة بين احتمال النجاة وخطر الغرق.

أما السفينة التي يقودها ربان حكيم، فهي لا تتحدى البحر، بل تفهمه… لا تصارع الأمواج، بل تعبرها بثقة.

وفي نهاية الرحلة، لا يُقاس النجاح بقوة السفينة، بل بحكمة من كان يمسك بالدفة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

نبضات خلف النوافذ المغلقة

  كانت بلدة “أبوعريش” القديمة تغرق في أمطار الربيع عندما قرر محمد العودة. بعد عشرون عاماً مرت على مغادرته، عشرون عاماً من الركض في شوارع الاغتراب الباردة، بمشاعرها كان يظن خلالها أنه نسي كل شيء. لكن، بمجرد أن وطئت قدمه عتبة البيت القديم، أدرك أن النسيان مجرد خدعة نتقنها لكي نواصل العيش. تجاوز الفناء الخارجي الذي غطته الأعشاب البرية، وفتح الباب الخشبي الثقيل الذي أصدر صريراً…

دكتور سعود بن علي الحنان

  الكاتب : عبدالله العطيش قامة علمية ودعوية تجمع بين العلم وخدمة المجتمع في زمنٍ تتعدد فيه الأصوات، وتزداد فيه الحاجة إلى الكلمة الواعية، يبرز أصحاب العلم والرسالة بوصفهم مناراتٍ تهدي الناس إلى طريق الاعتدال، وتربط العلم بالعمل، والمعرفة بخدمة المجتمع. ومن هذه القامات التي تستحق التقدير والاحتفاء الدكتور سعود بن علي الحنان، الذي جمع بين الحضور العلمي والدعوي والاجتماعي، وأسهم من خلال مسيرته في مجالات…

لقد فاتك ذلك

درب الطائف مغامرة مشي جبلي تحتفي بجمال وادي المخاضة في صيف 2026

درب الطائف مغامرة مشي جبلي تحتفي بجمال وادي المخاضة في صيف 2026

خريف ظفار 2026: شي ثاني يجمع تناغم الطبيعة بتنوع الفعاليات لتجربة سياحية متكاملة

خريف ظفار 2026: شي ثاني يجمع تناغم الطبيعة بتنوع الفعاليات لتجربة سياحية متكاملة

‏بيئة الجموم تختتم سوق التمور الموسمي السادس برهاط

‏بيئة الجموم تختتم سوق التمور الموسمي السادس برهاط

رحلة الابتكار.. تجربة تعليمية ممتعة لأطفال ساند

رحلة الابتكار.. تجربة تعليمية ممتعة لأطفال ساند

في ذمة الله السيد عبدالله أحمد بن سلمان

في ذمة الله السيد عبدالله أحمد بن سلمان

ممثل المزرعة الكندية: صقر المليون و300 ألف ريال نتاج سنوات من الخبرة

ممثل المزرعة الكندية: صقر المليون و300 ألف ريال نتاج سنوات من الخبرة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode