حارس سواحل جيزان”… البجع ورفاقه بين العلم والموروث الشعبي

 

بقلم: أحمد علي بكري

في مشهد أصبح مألوفًا لسكان جيزان، يقف طائر ضخم بجسد ممتلئ ومنقار طويل يحمل كيسًا جلديًا مميزًا فوق أعمدة الإنارة أو بمحاذاة الطرق الساحلية، غير مبالٍ بضجيج السيارات أو حركة البشر. هذا الطائر هو البجع، وغالبًا ما يكون من نوع البجع الوردي الظهر، أحد الأنواع المنتشرة في إفريقيا والبحر الأحمر، والذي وجد في سواحل جنوب غرب المملكة بيئة مثالية للاستقرار والتكاثر، حتى أصبح جزءًا من المشهد اليومي والهوية البصرية للمدينة.البجع يُعد من أكبر الطيور الطائرة، إذ يصل امتداد جناحيه إلى أكثر من مترين، ويتميز بمنقار طويل يحتوي على كيس جلدي مرن يُستخدم كأداة صيد فعّالة، حيث يلتقط به الأسماك ثم يُصفي الماء ويحتفظ بالفريسة، وهي طريقة صيد فريدة تعكس تكيفًا بيولوجيًا عاليًا، كما يُعرف بسلوكه الاجتماعي حيث يصطاد أحيانًا ضمن مجموعات منظمة.وجوده في جيزان مرتبط بوفرة الغذاء ووجود بيئات مناسبة مثل السواحل الطينية وغابات المانغروف، إلا أن اللافت هو قدرته على التكيف مع البيئة الحضرية، إذ بدأ يستخدم أعمدة الإنارة والمنشآت المرتفعة كمواقع للراحة أو حتى الأعشاش، وهو تحول يعكس مرونة هذا الطائر في مواجهة التغيرات البيئية.من الناحية العلمية، يُعد البجع من الطيور شبه المهاجرة، حيث يتحرك وفق توفر الغذاء والظروف المناخية أكثر من التزامه بهجرة موسمية صارمة، ويبدأ موسم تكاثره غالبًا من أواخر الخريف حتى بدايات الربيع، حيث تتجمع الطيور في مستعمرات كبيرة، وتضع الأنثى بيضتين إلى ثلاث بيضات، ويتناوب الأبوان على الحضانة والرعاية، في نظام اجتماعي يعزز فرص بقاء الصغار.لكن ما يميز حضور هذا الطائر في جيزان ليس فقط سلوكه البيئي، بل أيضًا ارتباطه بالموروث الشعبي، إذ يُعرف محليًا باسم “جد عبيش”، وهي تسمية تحمل طابعًا شعبيًا عفويًا يعكس علاقة الإنسان الجيزاني بالبيئة من حوله. هذه التسمية ليست موثقة علميًا بقدر ما هي متداولة شفهيًا بين الأهالي، ويُرجح أنها جاءت من تشبيه شكل الطائر بشخصية مسنّة ذات وقار، حيث يوحي انحناء رقبته وضخامة منقاره وكأنه “جد” يحمل كيسًا أو متاعًا، بينما قد يكون اسم “عبيش” تصغيرًا أو تحويرًا لاسم شعبي دارج يُستخدم في القصص والأمثال المحلية. في بعض الروايات الشفهية، كان يُشار إلى هذا الطائر كرمز للحكمة أو الصبر، خاصة بسبب وقوفه الطويل في صمت مترقبًا فريسته، حتى أصبح حضوره مرتبطًا بالهدوء والسكينة في ذاكرة الصيادين وكبار السن.كما أن وجوده قرب البحر جعل منه جزءًا من الحكايات التي تُروى للأطفال، حيث يُستخدم اسمه أحيانًا في سياق طريف أو تحذيري، كأن يُقال للأطفال ألا يقتربوا من الماء وحدهم “لا يجيك جد عبيش”، وهي طريقة شعبية لغرس الحذر بأسلوب بسيط يحمل طابعًا تراثيًا.هذا الحضور لا يقتصر على البجع وحده، فجيزان تُعد بيئة غنية بالطيور البحرية التي تضيف بعدًا جماليًا وبيئيًا للمشهد، من أبرزها الفلامنجو أو النحام، الذي يتميز بلونه الوردي وساقيه الطويلتين، ويعيش في المياه الضحلة متغذيًا على الطحالب والكائنات الدقيقة، ويُعد من أكثر الطيور جذبًا للأنظار، حيث تشكل تجمعاته لوحات طبيعية خلابة، إلى جانب طيور النورس والخرشنة والبلشون التي تشارك جميعها في تشكيل منظومة بيئية متكاملة تعكس ثراء الساحل الجيزاني.وجود هذه الطيور مجتمعة يُعد مؤشرًا مهمًا على صحة البيئة البحرية، إذ تساهم في تنظيم السلسلة الغذائية، كما أن اختفائها أو تراجعها قد يدل على خلل بيئي، ما يجعل الحفاظ عليها ضرورة بيئية وثقافية في آن واحد.ورغم قدرة البجع على التكيف، إلا أنه يواجه تحديات متزايدة مثل تدهور غابات المانغروف والتلوث البحري والأنشطة البشرية غير المنظمة، وهي عوامل قد تؤثر على أماكن تكاثره ومصادر غذائه، ما يستدعي تعزيز الوعي البيئي لحماية هذا التنوع الفريد.في النهاية، يقف “جد عبيش” فوق أعمدة الإنارة في جيزان ليس مجرد طائر، بل رمز حي يجمع بين العلم والموروث، بين الطبيعة والإنسان، حاملاً في صمته حكايات البحر وذاكرة المكان، ومذكرًا بأن العلاقة بين الإنسان وبيئته ليست فقط علاقة استخدام، بل أيضًا علاقة هوية وانتماء تستحق أن تُحفظ وتُروى للأجيال القادمة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

أتضحت الرؤيا وبان المخبأ

جازان /محمد باجعفر تتهاوى الأقنعةُ حين تشرق الشموس، وتتكشف السوآتُ عندما يشتد الضياء، فلا يتبقى في ساحة الحق إلا الشرفاء الأحرار، بينما يتساقط أدعياءُ الشرف في مزابل الهوان. لقد وضحت الرؤيا، وانقشع غبار الزيف عن وجوهٍ ما عرفت الكرامة يوماً ولا استطابت عزة النفس، شرذمةٌ خَلَت قلوبُهم من النخوة، وألسنتهم من الصدق، فعاثوا في أزقة القيل والقال فساداً، بلا حسيبٍ يزجرهم ولا رقيبٍ يردعهم. ​إنها طغمةٌ…

لماذا تقدم المنتخب السعودي في تصنيف فيفا؟

  ارتبط تحسن ترتيب المنتخب السعودي بنتائجه في كأس الخليج العربي «خليجي 27»، التي أقيمت في مدينة جدة، حيث نجح «الأخضر» في حصد اللقب دون أن تهتز شباكه بأي هدف خلال مشواره في البطولة.   وتكتسب نتائج النسخة الأخيرة من كأس الخليج أهمية إضافية في حسابات التصنيف العالمي، بعدما اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم نتائج مباريات خليجي 27 ضمن نقاط تصنيف فيفا للمرة الأولى.   وساعدت…

لقد فاتك ذلك

كشافة شباب مكة تزور الشيخ عيد الصبحي بمناسبة اليوم العالمي للمعلم

كشافة شباب مكة تزور الشيخ عيد الصبحي بمناسبة اليوم العالمي للمعلم

أتضحت الرؤيا وبان المخبأ

أتضحت الرؤيا وبان المخبأ

نادي سمو الإعلامي يزور جمعية «آمال» بعسير لبحث آفاق التعاون

نادي سمو الإعلامي يزور جمعية «آمال» بعسير لبحث آفاق التعاون

إعتبارآ من الليلة : ( سيدو وحورية ) جديد مميز لمحمد بخش على mbc شاهد 

إعتبارآ من الليلة : ( سيدو وحورية ) جديد مميز لمحمد بخش على mbc شاهد 

في حوار المكاشفة ..نجم ( بيت العنكبوت ) الفنان تركي الكريديس ، يفتح قلبه لـ ( صدى نيوز ) ويكشف عند أمور عديدة في عالم الدراما والمسرح السينما 

في حوار المكاشفة ..نجم ( بيت العنكبوت ) الفنان تركي الكريديس ، يفتح قلبه لـ ( صدى نيوز ) ويكشف عند أمور عديدة في عالم الدراما والمسرح السينما 

رئيس جمعية إيثار الدوائية د.بصفر يساهم في الحملة الوطنية للتبرع بالدم 

رئيس جمعية إيثار الدوائية د.بصفر يساهم في الحملة الوطنية للتبرع بالدم 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode