الطائف – مشعل الثبيتي / متابعات
في مشهد يعكس حجم الاهتمام المتزايد بقضايا ذوي الاحتياجات الخاصة، وبحضور لافت امتلأت به أرجاء قاعة الاحتفالات، اختُتمت اليوم فعاليات برنامج “افهموني 2” الذي نظمته جمعية الطائف لذوي الاحتياجات الخاصة بالشراكة الاستراتيجية مع جامعة الطائف.
وشهد حفل الاختتام حضور سعادة مدير فرع وزارة الصحة بالطائف الدكتور سمير الشهراني، وسعادة مدير التنمية الاجتماعية بالطائف الأستاذ بندر البقمي، إضافة إلى كوكبة من الأكاديميين والمختصين والإعلاميين وأولياء الأمور، حيث أجمع الجميع على أن البرنامج قدّم نموذجًا نوعيًا في التعامل مع اضطراب التوحد، مستندًا إلى رؤية محورية وضعت الأسرة في صلب عملية التأهيل والتمكين.
آيات من الذكر وقصة نجاح تهز المشاعر
افتُتح الحفل بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم، أدّاها بصوت شجي الطالب عبدالله السبيعي من ذوي التوحد، ليُسقط الجمهور في بحر من الخشوع والإعجاب بقدرات هؤلاء الأطفال التي تنتظر فقط من يكتشفها ويُخرجها إلى النور.
عقب ذلك، وقف رئيس مجلس إدارة جمعية الطائف لذوي الاحتياجات الخاصة الدكتور سعيد الزهراني ليُطلِق كلمة حملت في طياتها رؤية واضحة ومستقبلية، مؤكدًا أن “افهموني 2” ليس مجرد فعالية عابرة تذوب في ثنايا النسيان، بل هو نقطة تحول فارقة في مسار التعامل المجتمعي مع اضطراب التوحد، صُمم ليكون منصة علمية وإنسانية متكاملة، تهدف إلى بناء فهم واقعي وشامل يُحدث أثرًا مجتمعيًا مستدامًا، ويُعيد ترتيب الأولويات ليجعل من الأسرة قلب المعادلة ونبضها النابض.
وأوضح الدكتور الزهراني أن المبادرة جاءت ثمرة لتكامل الخبرة الأكاديمية والتجربة الميدانية، حيث صُممت لتقديم حلول عملية قابلة للتطبيق، تسهم بفعالية في تحسين جودة الحياة للأسر وأطفالها من ذوي التوحد، مشددًا على أن التدخل المبكر والخدمات العلاجية المتكاملة ليسا رفاهية، بل ضرورة ملحة تبدأ من البيت وتنمو بدعم الأسرة.
وأشاد رئيس الجمعية بالشراكة المثالية مع جامعة الطائف، واصفًا إياها بأنها نموذج وطني يُحتذى في تكامل الجهود بين مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الأكاديمي، مثمنًا دور الجامعة في توحيد المسارات نحو تمكين الإنسان وخدمته، ومؤكدًا أن هذه الشراكات هي السبيل الوحيد لتحقيق نقلة نوعية حقيقية.
وفي ختام كلمته، رفع الدكتور الزهراني أسمى آيات الشكر والعرفان لمقام القيادة الرشيدة -أعزها الله- على دعمها اللامحدود لقطاع ذوي الاحتياجات الخاصة، ثم تقدّم بخالص الامتنان لصاحب السمو الملكي الأمير فواز بن سلطان بن عبدالعزيز آل سعود محافظ الطائف على اهتمامه الأبوي، كما شكر سعادة الأستاذ الدكتور يوسف عسيري رئيس جامعة الطائف، وسعادة الدكتور سمير الشهراني، وسعادة الأستاذ بندر البقمي، وجميع شركاء النجاح الذين كان لهم الفضل في إخراج هذه الفعالية إلى النور.
وليد الفيفي.. حين يكسر الصمت حاجز المستحيل
وفي مشهد لم يترك عينًا جافة ولا قلبًا إلا واهتز، كانت مفاجأة الحفل التي خطفت الأضواء وأسكتت الجميع إجلالًا وإعجابًا، حيث صعد على المنصة الطفل “وليد الفيفي”، ذاك الطفل الذي خرج صوته من أعماق الصمت، وبقلب يليق بطائف الحب والجمال، ليُحكي قصة نجاح استثنائية تبهر العقول وتُدخل البهجة إلى النفوس.
طفل كان بالأمس أسيرًا للصمت، وإذ به اليوم يقف شامخًا يروي معاناته وانتصاره على التوحد، ليُعلن للعالم أن الإرادة إذا التقت بالحب والدعم الأسري، فلا شيء يعجزها. ووسط تصفيق حار وهتافات الإعجاب، تدفقت كلمات وليد كالينابيع الصافية، حاكيًا قصة أم عظيمة نالت تحية الحضور بأكملهم، في لحظة خالدة ستظل محفورة في ذاكرة كل من شهدها.
واليوم، وبفضل الله ثم بدعم أسرته، بات وليد من أوائل صفه الدراسي، يتقن ثلاث لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة، يقرأ ويكتب ويعبر عن أفكاره بوضوح يثير الدهشة والإعجاب. وليد لم يعد مجرد طفل تجاوز مرحلة التوحد، بل تحول إلى رسالة أمل لكل أب وأم: أن الحب قادر على صناعة المعجزات، وأن الصمت العميق قد يكون مجرد بداية لأجمل صوت يملأ الدنيا.
تكريم شركاء النجاح ومشاهد إنسانية خطفت الأنظار
وعقب هذه اللحظات المؤثرة، تفضل الدكتور سمير الشهراني والأستاذ بندر البقمي بتكريم شركاء النجاح من الجهات الحكومية والأهلية والإعلامية، كما تم تكريم الراعي الرسمي للحفل مدارس صروح العلم والتربية، وسط أجواء احتفائية بهيجة عكست روح الشراكة المجتمعية والتلاحم بين مختلف القطاعات في خدمة قضايا الإنسان.
ولم تكن الفعالية مجرد احتفالية خطابية، بل كانت استعراضًا حيًا ومباشرًا لمبادرات نوعية وخدمات ميدانية تجسدت على أرض الواقع، جسّدت حجم الاهتمام المشترك والرؤية المتكاملة نحو بناء بيئة داعمة تعزز جودة الحياة وتفتح آفاقًا أرحب لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع بكل كرامة واستقلالية.
ومن أبرز المشاهد التي لفتت الأنظار وأثارت الإعجاب، مشاركة مدرسة ثانوية “الصريرات” ببني سعد، بقيادة الأستاذة فايزة الأزوري، التي أبحرت بوفدها قاطعة مسافة 70 كيلومترًا لتصل إلى قلب الفعالية، مؤكدة بذلك أن المسؤولية المجتمعية لا تُقاس بالمسافات الجغرافية، ولا تعترف بحواجز الطرق، بل تُوزن بصدق الانتماء وروح المبادرة والإخلاص للرسالة الإنسانية.
أما فقرات الحفل، فقد قادتها الأيادي الماهرة للإعلامي القدير مشعل الثبيتي، الذي أدار الحفل بحرفية عالية وفن واقتدار، يمزج بين الجد والإنسانية والخفة في قالب مهني رائع، بينما أضافت فرقة “بنات الورد” بقيادة الأستاذ محمد الزهراني رونقًا خاصًا وفنًا جماليًا مميزًا، لتزين الفقرات الاستعراضية الراقصة بأجمل اللوحات الفنية.
د . الشهراني: “افهموني 2” حوّل التوحد من تحدٍ إلى أمل
وقبل إسدال الستار، وقف الدكتور سمير الشهراني ليُقدّم كلمة ختامية وصف فيها “افهموني 2” بأنه “لوحة بيانية” متكاملة الأبعاد، مؤكدًا أن هذه المبادرة تمثل محطة فارقة في مسيرة العمل مع ذوي التوحد، حيث نجحت بكل جدارة في تحويل مفهوم التوحد من تحدٍ ثقيل إلى أمل مشرق، ومن حالة مرضية تحتاج إلى إدارة إلى طاقة كامنة تحتاج إلى اكتشاف وتوظيف.
وأوضح الشهراني أن البرنامج جسّد بامتياز نموذجًا لتكامل الأكاديمية مع الميدان، مؤكدًا أن تمكين الأسرة كمحور أساسي في الرحلة التأهيلية ليس خيارًا بل ضرورة، وأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا حين تكون الأسرة شريكًا فاعلًا وليس مجرد متلقٍ للخدمة. واختتم كلمته برفع الشكر الجزيل للقيادة الرشيدة على دعمها المتواصل، ولمحافظ الطائف الأمير فواز بن سلطان على اهتمامه بقضايا التنمية الإنسانية.
خاتمة:
الطائف تصنع النماذج ويُحتذى بها
وبهذا، اختُتمت الفعالية وسط إشادة واسعة وصدى إعلامي كبير، لتؤكد الطائف من جديد أنها ليست مدينة تكتفي بإطلاق المبادرات العابرة، بل تصنع نماذج يُحتذى بها على مستوى المملكة في العمل الإنساني، حيث يتحول العطاء إلى قصة نجاح حقيقية تُكتب بحروف من نور بشراكة الجميع، وتصبح الأسرة معها ليست مجرد حلقة في سلسلة الخدمات، بل هي القائد والموجه والمحور الحقيقي الذي تدور حوله منظومة التأهيل والتمكين بكل تفاصيلها.
إنه “افهموني 2″… عنوان جديد في سجل العطاء الطائفي، وقصة نجاح تثبت أن الإنسان هو أغلى ما نملك، وأن الأسر حين تُمكن، فإنها تصنع من أبنائها نجومًا تضيء سماء الوطن.









