بقلم – عزه محمد الفايدي
ليست الحياة كما نظن…
ليست طريقًا مستقيمًا تُعطى فيه الأمنيات لمن يتمناها ولا تُوزَّع فيها الأقدار بعدلٍ نفهمه بعقولنا القاصرة بل هي رحلةٌ يمضي فيها الإنسان بين الابتلاء والرحمة بين الفقد والعطاء وبين ما يريده لنفسه وما يختاره الله له بحكمته العظيمة.
فالإنسان قد يخطط ويحلم ويتمسك بأشياء يظن أنها نجاته! ثم تأتي الأقدار بعكس ما يشتهي تمامًا ليكتشف بعد سنوات أن ما كسره كان هو ذاته ما أنقذه.
وهنا تتجلى حقيقة عظيمة:
أننا في كثيرٍ من تفاصيل الحياة لسنا مخيّرين كما نظن بل نحن مسيَّرون بحكمة الله إلى أقدارٍ لا نعلم خيرها إلا بعد حين.
تأملوا حال نبي الله إبراهيم عليه السلام حين امتثل لأمر الله وترك زوجته هاجر عليها السلام وطفله إسماعيل عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع لا ماء فيه ولا حياة.
كان المشهد فوق احتمال البشر لكن قلب إبراهيم كان ممتلئًا يقينًا بالله فرفع يديه داعيًا:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
دعوة خرجت من قلبٍ صادق فحوّل الله ذلك الوادي القاحل إلى أطهر بقاع الأرض وجعل مكة المكرمة قبلةً تهوي إليها أفئدة الملايين إلى قيام الساعة.
وكأن الله يريد أن يعلمنا أن التسليم له لا يُضيع أحدًا أبدًا.
وكذلك كانت قصة نبي الله يوسف عليه السلام ذلك الفتى الذي ذاق من الظلم ما لو ذاقه غيره لانكسر قلبه إلى الأبد.
إخوته الذين كان يفترض أن يكونوا سنده وأمانه هم أنفسهم من دبّروا له الأذى حسدوه وكادوا له وانتزعوه من حضن أبيه يعقوب عليه السلام ثم ألقوه في غيابة الجب وكأنهم يدفنون أحلامه معه.
أي قسوةٍ تلك؟
طفلٌ يُرمى في بئرٍ مظلم لا يعلم هل سينجو أم سيموت فقط لأن قلوب البشر قد يفسدها الحسد حين يغيب عنها نور الإيمان.
لكن الله كان يدبّر ليوسف أمرًا أعظم مما يتخيله الجميع.
خرج من البئر إلى بيت العزيز ثم من بيت العزيز إلى السجن ظلمًا ومع ذلك لم يتغير قلبه ولم يتحول إلى إنسان ناقم أو ساخط بل بقي ثابتًا مؤمنًا صابرًا يعلم أن لله حكمةً خلف كل بابٍ أُغلق في وجهه.
حتى جاءت اللحظة التي أظهر الله فيها حكمته كاملة…
فمن الجب إلى القصر
ومن السجن إلى الحكم
ومن طفلٍ مظلوم إلى عزيزٍ على أرض مصر.
أصبح مصر كلها تحت أمره بعد أن كان وحيدًا لا يملك حتى نجاته.
وهنا نفهم أعظم الدروس
أن الله قد يؤخر العدالة… لكنه لا ينساها.
وقد يتركك تمر بالعاصفة طويلًا لكنه يعلم متى يُنجيك
وكيف يجبرك بطريقةٍ تدهش قلبك.
كم من إنسان بكى لأن الناس ظلموه ثم اكتشف أن ظلم البشر كان طريقًا اصطفاه الله ليرفعه.
وكم من كسرٍ ظنناه نهاية فإذا به بداية حياةٍ جديدة لم نكن لنصل إليها لولا الألم.
لذلك لا تخف من الأقدار حين تؤلمك ولا تظن أن الله غافل عن دمعتك أو وجعك أو وحدتك.
اترك أمورك لله حتى وإن ضاقت بك الدنيا وحتى وإن خذلك البشر، وحتى وإن وجدت نفسك يومًا في “بئر يوسف” أو في “وادي هاجر”.
فالله الذي أخرج يوسف من ظلمات الجب إلى عزّ الملك، والذي جعل الصحراء القاحلة قبلةً للعالمين، قادرٌ أن يُخرج من حزنك فرجًا ومن خسارتك عوضًا ومن انكسارك حياةً أجمل مما تمنيت.
فالقدر قد يبدو قاسيًا في بدايته…
لكن رحمة الله تختبئ أحيانًا خلف أكثر الأبواب ألمًا.







