بقلم: أحمد علي بكري
يُعد قطاع الدواجن اليوم واحداً من أكثر القطاعات الغذائية حساسية وتأثيراً في حياة الإنسان المعاصر، ليس فقط لأنه المصدر الأرخص والأكثر انتشاراً للبروتين الحيواني، بل لأنه يرتبط مباشرة بصحة المجتمع والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي. ومع تضاعف أعداد السكان وارتفاع الطلب العالمي على الغذاء، أصبحت صناعة الدواجن نموذجاً متقدماً للتقنيات الزراعية الحديثة، يجتمع فيها علم الوراثة، والتغذية، والطب البيطري، والهندسة البيئية، وإدارة سلاسل الإمداد الغذائية. وفي المملكة العربية السعودية، شهد هذا القطاع تطوراً ضخماً خلال العقود الأخيرة، حتى أصبحت الدواجن تمثل أحد أعمدة الاكتفاء الذاتي الغذائي، مع وصول نسب الاكتفاء إلى مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات قليلة فقط.
لكن كلما تطورت الصناعات الغذائية، ازدادت معها الشائعات والمخاوف المجتمعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطعمة يستهلكها الناس بشكل يومي. ومن أكثر الشائعات انتشاراً منذ سنوات طويلة تلك المتعلقة بما يسمى “حقن الدجاج بالهرمونات”، وهي فكرة أصبحت مترسخة لدى شريحة واسعة من الناس حتى تحولت عند البعض إلى حقيقة مسلم بها رغم افتقارها للأساس العلمي. ثم ظهرت مؤخراً موجة جديدة من الجدل تتعلق بالتحذير من غسل الدجاج قبل الطهي، الأمر الذي بدا للكثيرين صادماً ومخالفاً لما اعتادوا عليه داخل المنازل لعقود طويلة. وبين هاتين القضيتين، يقف العلم محاولاً تفسير الحقائق بعيداً عن الخوف الشعبي والانطباعات السطحية.
إن فكرة استخدام الهرمونات في صناعة الدواجن تبدو للوهلة الأولى منطقية لدى المستهلك العادي؛ فالدجاج اليوم ينمو بسرعة مذهلة مقارنة بما كان عليه قبل عشرات السنين، وأحجام بعض السلالات الحديثة أكبر بكثير من الدجاج البلدي التقليدي، ما يدفع البعض للاعتقاد أن هذا النمو السريع لا بد أن يكون نتيجة مواد كيميائية أو هرمونية يتم حقنها داخل الطيور. غير أن الحقيقة العلمية أكثر تعقيداً وأعمق بكثير من هذا التصور المبسط.
علمياً، الهرمونات ليست مواد سحرية يمكن خلطها بالعلف لتتحول الطيور إلى كائنات ضخمة خلال أيام. الهرمونات جزيئات بروتينية معقدة، وعندما تدخل الجهاز الهضمي يتم تكسيرها بواسطة الأحماض والإنزيمات كما يحدث مع أي بروتين غذائي آخر، وبالتالي فإن إضافتها إلى العلف عديم الفائدة عملياً. وحتى إذا أُريد إعطاؤها بطريقة فعالة، فإنها تحتاج إلى الحقن المباشر والمتكرر داخل الجسم، غالباً عبر الوريد أو العضلات، وبجرعات دقيقة وتحت إشراف طبي مستمر. وهنا تظهر الاستحالة العملية الهائلة لهذه الفكرة؛ إذ إن عنبر دواجن واحد قد يحتوي على أكثر من 25 ألف طائر، فهل يمكن اقتصادياً أو لوجستياً حقن كل هذه الأعداد يومياً؟ إن تكلفة العمالة والمواد والوقت ستجعل سعر الدجاج أضعاف قيمته الحالية، ما يعني أن المشروع بأكمله سيكون خاسراً وغير منطقي اقتصادياً.
الأهم من ذلك أن معظم دول العالم، بما فيها السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تمنع قانونياً استخدام هرمونات النمو في الدواجن، وتفرض أنظمة رقابية صارمة جداً على المزارع والمسالخ وسلاسل الإمداد الغذائية. ويتم بشكل دوري سحب عينات عشوائية من المنتجات وتحليلها مخبرياً للكشف عن أي مركبات محظورة. ولهذا فإن الشركات الكبرى العاملة في هذا القطاع تعتمد على سمعتها وثقة المستهلك، لأن أي فضيحة تتعلق بسلامة الغذاء قد تدمر الشركة بالكامل خلال أيام.
إذاً، كيف وصل الدجاج الحديث إلى هذه الأحجام ومعدلات النمو السريعة؟ الجواب الحقيقي يكمن في “التحسين الوراثي الانتقائي”. هذه العملية ليست هندسة وراثية خيالية كما يظن البعض، بل هي امتداد متطور لما فعله الإنسان منذ آلاف السنين عندما اختار أفضل الحيوانات والنباتات للتكاثر. شركات الدواجن العالمية أمضت عقوداً طويلة وهي تطور سلالات ذات كفاءة عالية جداً في تحويل الغذاء إلى لحم. يتم اختيار الطيور الأسرع نمواً والأقل استهلاكاً للعلف والأكثر مقاومة للأمراض، ثم تُستخدم لإنتاج أجيال جديدة تحمل الصفات نفسها بشكل أقوى. ومع تكرار العملية لعشرات السنين، ظهرت السلالات الحديثة التي تنمو بمعدلات غير مسبوقة مقارنة بالسلالات القديمة.
ومن أشهر السلالات المستخدمة عالمياً سلالة “الكورنش” وسلالة “الوايت بلايموث روك”، حيث جرى دمج صفاتهما الوراثية للوصول إلى طيور تمتلك صدوراً عضلية أكبر، ومعدلات تحويل غذائي أعلى، ونمواً أسرع. والمقصود بكفاءة التحويل الغذائي هو كمية العلف اللازمة لإنتاج كيلوغرام واحد من اللحم. ففي الماضي كان الدجاج يستهلك كميات كبيرة من الغذاء ليصل إلى وزن منخفض نسبياً، بينما تستطيع السلالات الحديثة اليوم تحويل الغذاء إلى كتلة عضلية بكفاءة مذهلة، وهذا هو السر الحقيقي وراء النمو السريع.
كما أن البيئة الحديثة داخل المزارع تلعب دوراً محورياً في هذا النمو. فالدواجن اليوم تُربى داخل عنابر ذات تحكم دقيق في الحرارة والرطوبة والتهوية والإضاءة. ويتم تصميم برامج غذائية مختلفة لكل مرحلة عمرية بحيث يحصل الطائر على احتياجاته بدقة شديدة من البروتينات والطاقة والأحماض الأمينية والمعادن والفيتامينات. وهذا يعني أن الطائر ينمو في بيئة مثالية تقريباً، بعكس الدجاج البلدي الذي يتعرض للبرد والحر والبحث العشوائي عن الغذاء والحركة المستمرة التي تستهلك الطاقة.
ومن الأمور التي يسيء الناس فهمها أيضاً قضية المضادات الحيوية. ففي الماضي كانت بعض المزارع تستخدم جرعات منخفضة من المضادات لتحسين النمو وتقليل الأمراض، لكن كثيراً من الدول شددت القيود على هذه الممارسات بسبب خطر مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. ولهذا أصبحت الأنظمة الحديثة تعتمد بشكل أكبر على التحصينات الحيوية، وتحسين النظافة، وبرامج الأمن الحيوي، والبروبيوتيك، والتغذية المتوازنة، بدلاً من الاعتماد المفرط على المضادات.
أما اختلاف أحجام الدواجن بين الدول، فهو في الحقيقة انعكاس لاختلاف الثقافة الغذائية والطلب الاستهلاكي، وليس دليلاً على اختلاف السلامة أو استخدام الهرمونات. ففي الخليج العربي يفضل المستهلك غالباً الدجاج الصغير متوسط الحجم، ولذلك يتم تسويق الطيور عند عمر يقارب 25 إلى 30 يوماً بوزن يتراوح غالباً بين 900 غرام و1.2 كيلوغرام. بينما في الولايات المتحدة وأوروبا، يزداد الطلب على صدور الدجاج الكبيرة المستخدمة في الوجبات السريعة والصناعات الغذائية، ولهذا تستمر التربية لفترات أطول تصل إلى 42 أو 54 أو حتى 63 يوماً، فيزداد الوزن والحجم بشكل طبيعي تماماً.
ومن المهم فهم أن نمو الدجاج ليس خطاً ثابتاً، بل عملية بيولوجية مرتبطة بالعمر. فكل يوم إضافي في التربية يعني زيادة في الكتلة العضلية والدهون وحجم الهيكل العظمي. ولذلك فإن دجاجة عمرها 60 يوماً ستكون بطبيعة الحال أكبر بكثير من دجاجة عمرها 28 يوماً حتى لو تلقتا الغذاء نفسه وتنتميان للسلالة نفسها.
وفيما يتعلق بغذاء الدواجن، تنتشر أيضاً أفكار خاطئة بأن الدجاج يُطعم “مخلفات صناعية” أو مواد ضارة. بينما الحقيقة أن الأعلاف الحديثة تُصمم وفق معايير علمية دقيقة جداً. وتعتمد بشكل أساسي على الذرة وفول الصويا كمصادر رئيسية للطاقة والبروتين، بالإضافة إلى الزيوت النباتية، والأحماض الأمينية الصناعية، والفيتامينات، والمعادن، والأملاح، ومركبات تحسين الهضم. ويتم حساب النسب بدقة لتتناسب مع عمر الطائر واحتياجاته الفسيولوجية.
لكن أكثر ما أثار الجدل مؤخراً هو التحذيرات المتزايدة من غسل الدجاج قبل الطهي. هذه الفكرة تصطدم مباشرة بالعادات المنزلية المتوارثة؛ إذ تربى كثير من الناس على أن غسل اللحوم والدجاج جزء من “النظافة”، بل إن البعض يربط بين عدم الغسل والإهمال أو القذارة. غير أن العلم الميكروبيولوجي يقدم تفسيراً مختلفاً تماماً.
الدجاج النيء قد يحتوي على أنواع من البكتيريا مثل السالمونيلا والكمبيلوباكتر، وهي بكتيريا تعيش بشكل طبيعي في أمعاء الطيور وقد تنتقل إلى سطح اللحم أثناء الذبح والتجهيز. ورغم أن المسالخ الحديثة تطبق أنظمة تنظيف وتعقيم صارمة، فإن احتمالية وجود كميات ضئيلة من البكتيريا تظل قائمة، ولهذا فإن الأساس الحقيقي للسلامة الغذائية ليس “الغسل”، بل “الطهي الحراري الكامل”.
عندما يُغسل الدجاج تحت صنبور الماء داخل المطبخ، فإن المشكلة لا تكمن في الماء نفسه، بل في الرذاذ المتطاير. هذا الرذاذ قد يحمل البكتيريا لمسافات تتجاوز المتر أحياناً، فيصل إلى أسطح المطبخ، والملاعق، وألواح التقطيع، والمغاسل، وحتى الفواكه أو الأطعمة الجاهزة القريبة. وتسمى هذه العملية في علم سلامة الغذاء بـ “التلوث التبادلي” أو Cross Contamination، وهي واحدة من أكثر أسباب التسمم الغذائي شيوعاً داخل المنازل.
والخطورة الحقيقية أن هذه البكتيريا لا تُرى بالعين المجردة، وقد تبقى على الأسطح لساعات طويلة إذا لم تُعقم جيداً. وعندما تنتقل إلى إنسان ذي مناعة ضعيفة، كالأطفال أو كبار السن أو مرضى المناعة، فإنها قد تسبب أعراضاً شديدة مثل الإسهال الحاد والجفاف والحمى والقيء، وقد تتطور أحياناً إلى التهابات خطيرة تستدعي التنويم والعناية المركزة.
لهذا توصي هيئات الغذاء العالمية بعدم غسل الدجاج النيء قبل الطهي، لأن الحرارة المرتفعة أثناء الطبخ كفيلة بالقضاء على البكتيريا بالكامل. وعادة ما يُوصى بوصول درجة الحرارة الداخلية للدجاج إلى نحو 75 درجة مئوية لضمان تدمير الميكروبات الضارة. ويختلف ذلك عن بعض أنواع اللحوم الحمراء التي قد تكون بكتيريا سطحها الخارجي فقط، بينما في الدواجن قد تكون البكتيريا موزعة بشكل أوسع نتيجة طبيعة الذبح والتجهيز.
ومن الأخطاء الشائعة أيضاً استخدام أدوات المطبخ نفسها لجميع أنواع الطعام. فلوح التقطيع الذي يُستخدم للدجاج النيء ثم يُستخدم مباشرة للخضار أو الفواكه دون تعقيم قد يتحول إلى ناقل مباشر للبكتيريا. ولهذا ينصح المتخصصون بتخصيص أدوات منفصلة للدواجن، أو على الأقل غسلها وتعقيمها جيداً بالماء الساخن والمنظفات بعد كل استخدام.
أما مسألة نوعية ألواح التقطيع، فهي قضية علمية مهمة أيضاً. الألواح الخشبية والبلاستيكية تتعرض مع الوقت للخدوش الدقيقة، وهذه الخدوش تتحول إلى بيئة مثالية لاختباء البكتيريا وتكاثرها بعيداً عن التنظيف السطحي. بينما تتميز الأسطح المعدنية مثل الستانلس ستيل بأنها أقل مسامية وأسهل في التعقيم، ما يجعلها خياراً صحياً أفضل في البيئات الاحترافية والمطابخ عالية الاستخدام.
وفي النهاية، فإن كثيراً من المخاوف المرتبطة بصناعة الدواجن لا تنبع من حقائق علمية بقدر ما تنبع من الفجوة بين تطور العلوم الغذائية وبين الوعي المجتمعي. فالتقنيات الحديثة في التربية والإنتاج ليست بالضرورة مؤامرة على صحة الإنسان، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة عقود طويلة من البحث العلمي لتحسين الكفاءة والإنتاج وتقليل الهدر الغذائي. ومع ذلك، يبقى وعي المستهلك وسلوكه داخل المطبخ جزءاً أساسياً من منظومة السلامة الغذائية. فالمشكلة ليست دائماً فيما نأكله، بل أحياناً في الطريقة التي نتعامل بها مع الطعام قبل أن يصل إلى أطباقنا.







