قراءة فلسفية شرعية في أخطر كذبة زُرعت في الوعي الإسلامي

من أقنع المسلمين أن الفقر فضيلة بينما جعل الله المال بابًا لأعظم العبادات وأساسًا لاستخلاف الأمة في الأرض؟

بقلم: أحمد علي بكري

في عمق التاريخ الإنساني، وفي الطبقات الخفية التي تُشكّل وعي الأمم وتحدد مساراتها الحضارية، لا تتكون الانهيارات الكبرى دفعة واحدة، وإنما تبدأ غالبًا بفكرة صغيرة تُزرع في العقل الجمعي حتى تتحول مع الزمن إلى “حقيقة مقدسة” لا يجرؤ أحد على مساءلتها. ولعل أخطر فكرة تسللت إلى الذهنية الإسلامية عبر القرون، حتى أصبحت جزءًا من الخطاب الوعظي والثقافة الشعبية والتصور الديني العام، هي تلك الفكرة التي أوحت للمسلمين أن الفقر فضيلة في ذاته، وأن العوز أقرب إلى الله من الغنى، وأن الزهد يعني الضعف المادي، وأن قلة المال منزلة روحية أعلى من السعة والتمكين. ولم تكن هذه الفكرة مجرد انحراف لغوي أو سوء فهم عابر، بل كانت انقلابًا فلسفيًا عميقًا على جوهر الاستخلاف الإسلامي، وتشويهًا خطيرًا لبنية الدين العملية والحضارية، حتى تحولت الأمة التي كانت تقود العالم اقتصادياً وتجارياً وعسكرياً إلى أمة تمجّد العجز، وتبرر التخلف، وتقدّس الفاقة تحت شعارات الصبر والقناعة والزهد.

إن التأمل العميق في القرآن الكريم والسنة النبوية يكشف بوضوح صادم أن الإسلام لم يجعل الفقر يومًا غاية يُطلب الوصول إليها، ولم يعتبر الخصاصة منزلة روحية بحد ذاتها، وإنما تعامل معها باعتبارها حالة اضطرارية يُعذر صاحبها، لا نموذجًا يُحتذى. بل إن النصوص الشرعية في مجملها تؤسس لعكس ذلك تمامًا؛ تؤسس لأمة قوية، غنية، منتجة، مالكة لأسباب القوة، قادرة على الإنفاق، والتأثير، والإعمار، وحمل الرسالة. فالقرآن لا يخاطب المسلمين باعتبارهم متسولين على أبواب الحياة، بل باعتبارهم مستخلفين في الأرض، مُكلّفين بعمارتها وتسخير خيراتها وإقامة العدل فيها. يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}. إن هذه الآية ليست دعوة روحية مجردة، بل مشروع حضاري كامل، يبدأ بالسعي، والحركة، والاكتساب، والسيطرة على أدوات الرزق، ثم توجيه ذلك كله في سبيل الله.

ولو تأملنا البناء التشريعي للإسلام لوجدنا أن جانبًا ضخمًا من الدين قائم على القدرة المالية، حتى إن كثيرًا من أعظم أبواب الأجر مغلقة عمليًا أمام الفقير، لا احتقارًا له، وإنما لأن طبيعة هذه العبادات تفترض وجود المال أصلًا. وهذا بحد ذاته يكشف زيف التصور الذي يجعل الفقر غاية مثالية. فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، ويقول: {وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم}، ويقول: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. والسؤال الفلسفي الجوهري هنا: كيف يأمر الله بالإنفاق باستمرار، ويجعل البذل سمة المؤمنين، ثم يُراد منا أن نعتقد أن الفقر هو الصورة الأكمل للتدين؟ إن الأمر بالإنفاق يتضمن ضمنًا الأمر بالاكتساب، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والعاجز عن تحصيل المال لن يستطيع أن يحقق المقاصد الكبرى التي أرادها الشرع من التكافل والإعمار والجهاد والإغاثة وكفالة الضعفاء.

لقد ربط الإسلام بين الإيمان والقوة ربطًا وثيقًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير”. والقوة هنا ليست روحية فحسب، بل تشمل القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لأن الأمة الفقيرة لا تملك قرارها، ولا تستطيع حماية قيمها، ولا الدفاع عن مقدساتها، ولا إغاثة مستضعفيها. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الفقر كما يستعيذ من الكفر، فيقول: “اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر”، لأن الفقر ليس حالة مثالية، بل باب من أبواب الانكسار والذلة والاحتياج والتبعية. وكان يقول أيضًا: “كاد الفقر أن يكون كفرًا”، لما يحمله من آثار نفسية واجتماعية خطيرة قد تدفع الإنسان إلى الانهيار الأخلاقي أو العقائدي أو الإنساني.

ومن أعظم الشواهد على مركزية المال في البناء التعبدي للإسلام أن هناك عبادات كبرى لا يمكن للإنسان أن يؤديها إلا إذا كان متمكنًا ماليًا. فأول هذه العبادات شعيرة الأضحية، التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من أحب الأعمال إلى الله يوم النحر، فقال: “ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم”. إننا أمام عبادة محورية في أحد أعظم أيام الإسلام، لكنها قائمة بالكامل على القدرة المالية. ثم يأتي التحذير النبوي الصارخ: “من وجد سعة ولم يضحِ فلا يقربن مصلانا”، وهو نص شديد اللهجة يكشف أن السعة المالية ليست شيئًا ثانويًا في الدين، بل قد تكون شرطًا لنيل مراتب عالية من القرب والطاعة.

ثم تأتي كفالة اليتيم، تلك العبادة التي تفتح لصاحبها باب مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، حيث قال: “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين”، وأشار بالسبابة والوسطى. لكن هذه المنزلة العظيمة لا تتحقق بالأمنيات المجردة، وإنما بالقدرة على الإنفاق والرعاية وتحمل المسؤولية. فالمال هنا يتحول من مجرد أداة دنيوية إلى جسر روحي يعبر بالإنسان نحو أعلى درجات النعيم.

أما الحج، فهو المثال الأكثر وضوحًا على أن الإسلام لا يبني أركانه على العجز. فالحج ركن من أركان الإسلام، لكنه مشروط بالاستطاعة، قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}. والاستطاعة هنا تشمل الزاد والراحلة والنفقة والأمان. ومع أن الحج يمحو الذنوب حتى يعود الإنسان “كيوم ولدته أمه”، إلا أن الفقير يُعذر عنه. وهذا يعني بوضوح أن الفقر ليس فضيلة تُطلب، بل مانع يحرم الإنسان من أداء ركن عظيم من أركان الدين.

ثم تأتي الزكاة، الركن الذي لا يُطلب أصلًا إلا من الأغنياء. إن الإسلام يريد للمسلم أن يكون في موقع العطاء لا في موقع التلقي. فالفقير لا يدفع الزكاة، بل يأخذها، بينما الغني هو الذي يؤدي هذا الركن ويحقق به التطهير والنماء. ولهذا قرن الله الصلاة بالزكاة عشرات المرات، لأن الإسلام لا يريد مجتمعًا متواكلًا هشًا، بل يريد دورة اقتصادية نشطة يكون فيها المسلم منتجًا، مالكًا، منفقًا، ومشاركًا في عمران الحياة.

ومن أعظم العبادات التي ترتبط بالقدرة المالية تفريج الكرب وسداد الديون وإغاثة المحتاجين، وهي من أحب الأعمال إلى الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”. لكن كيف ينفس الإنسان عن غيره وهو غارق في الحاجة؟ وكيف يسدد ديون الناس من لا يملك قوت يومه؟ إن المال هنا يصبح وسيلة لإنقاذ الأرواح، وحماية الكرامات، وإحياء النفوس، وتحقيق معنى الأخوة الإسلامية الحقيقي.

إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة اليوم هو: من أين جاءت إذًا فكرة تمجيد الفقر؟ وكيف تحولت إلى جزء من التدين الشعبي؟ إن جذور هذه الفكرة تعود إلى تسرب مفاهيم رهبانية وفلسفات دخيلة إلى بعض التيارات الفكرية في القرون المتأخرة، حيث جرى تصوير المادة باعتبارها عدوًا للروح، والمال باعتباره حجابًا بين العبد وربه، مع أن القرآن نفسه يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}. فالإسلام لم يطلب من الإنسان أن يحتقر الدنيا، بل أن يضبطها ويستخدمها في طاعة الله.

ثم جاءت الحقبة الاستعمارية لتستثمر هذا الفهم المشوه بأقصى درجات الخبث السياسي. لقد أدرك المستعمر أن الأمة التي تقتنع بأن الفقر قدر مقدس لن تثور على سارق ثرواتها، ولن تطالب بالسيادة الاقتصادية، ولن تسعى لامتلاك القوة. فجرى تكريس خطاب ديني سطحي يربط بين الصلاح والعجز، وبين التدين والانكسار، بينما تم تغييب الصورة الحقيقية للصحابة الذين كانوا قادة تجارة واقتصاد وثروة.

فأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان من كبار تجار مكة، وأنفق أموالًا عظيمة في نصرة الدعوة وشراء العبيد وتحرير المستضعفين، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر”. وعثمان بن عفان رضي الله عنه جهز جيش العسرة واشترى بئر رومة وجعلها وقفًا للمسلمين، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم”. وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان نموذجًا فريدًا لرجل الأعمال المسلم، حتى إن قوافل تجارته كانت تهز المدينة، وكان ينفق بسخاء عجيب في سبيل الله. هؤلاء لم يفهموا الزهد على أنه فقر، بل فهموه على أنه عدم تعلق القلب بالمال مع امتلاك القدرة على تسخيره للخير.

إن الفرق الهائل بين “الزهد” و”الفقر” جرى تدميره في الوعي المعاصر. فالزهد الحقيقي ليس أن لا تملك شيئًا، بل أن لا يملكك شيء. قد يكون الإنسان غنيًا زاهدًا، وقد يكون فقيرًا متعلقًا بالدنيا تعلقًا مرضيًا. ولهذا كان سليمان عليه السلام نبيًا وملكًا في آن واحد، وكان يوسف عليه السلام وزير اقتصاد يدير خزائن الأرض، وكان داود عليه السلام يصنع الدروع ويأكل من عمل يده، ولم يكن الغنى يومًا مناقضًا للنبوة أو الولاية.

إن الأمة التي تريد أن تستعيد مكانتها لا يمكن أن تفعل ذلك وهي تمجّد العجز الاقتصادي. فالفقر لا يبني حضارة، ولا يحرر أرضًا، ولا يصنع علمًا، ولا يحمي دينًا. المال في الإسلام ليس غاية وجودية، لكنه وسيلة استراتيجية لتحقيق العدل والكرامة والاستقلال. ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة”.

لقد آن الأوان لإعادة بناء الوعي الإسلامي على أسسه الصحيحة؛ وعيٍ يفهم أن السعي للثراء المشروع ليس انحرافًا عن الدين، بل قد يكون من أعظم صور العبادة إذا اقترن بالتقوى والنية الصالحة. وعيٍ يدرك أن المسلم القوي اقتصاديًا أقدر على نصرة دينه، وإعانة مجتمعه، وكفالة الأيتام، وإطعام الجائعين، وتمويل العلم، وحماية الأمة من التبعية والذل. إن الغنى الشاكر أعلى أثرًا من الفقر الصابر حين يتحول المال إلى أداة إحياء وإصلاح وتمكين.

لقد شوهوا مفهوم الزهد حتى أقنعوا المسلمين أن الجوع بطولة، وأن العجز قناعة، وأن التخلف رضا، بينما القرآن كله حركة، وعمل، وسعي، وعمارة، وتمكين، واستخلاف. يقول الله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}. لم يقل: اعتزلوا الحياة، أو اهجروا الأسواق، أو اتركوا أسباب القوة، بل أمر بالحركة في الأرض، لأن الرسالة لا يحملها الضعفاء اقتصاديًا إلى الأبد.

إن المال في يد الفاسد أداة طغيان، لكنه في يد المؤمن الصالح سلاح حضاري عظيم. ومن هنا فإن معركة الأمة الحقيقية ليست مع المال ذاته، بل مع طريقة توظيفه. فإذا عاد المسلم إلى فهم الصحابة، وأدرك أن الثراء المشروع باب من أبواب نصرة الدين، فسيتغير شكل الأمة كله؛ ستتحول من أمة مستهلكة إلى أمة منتجة، ومن أمة تنتظر الصدقات إلى أمة تصنع الحضارة، ومن أمة تستورد قوتها إلى أمة تصوغ مستقبلها بيديها.

وحينها فقط سنفهم لماذا كان الدعاء النبوي يطلب الكفاية والغنى والعافية، ولماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “نعم المال الصالح للرجل الصالح”. لأن المال حين يقترن بالإيمان يصبح طاقة تحرير، وقوة بناء، وجسرًا تعبر عليه الأمة من الهامش إلى مركز التاريخ من جديد.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الحكواتي فايل بن سريد وترسيخ الهوية في سلطنة السلام والعطاء

  عمار عبد الواحد بغداد – العراق في قلب الخليج العربي وتحديدا من سلطنة السلام والعطاء من مسقط العامرة التي طالما كانت حاضنة للمحبة والوئام لمع اسم الاديب والشاعر فايل بن سريد المطاعني الذي التقط خيط الهوية من وسط ركام التحولات المعاصرة ليعيد صياغته من خلال مشروع الحكواتي هذا المشروع لم يكن مجرد محاولة لاستذكار الماضي او البكاء على اطلاله بل كان رؤية واعية تدرك ان…

(حين تقودنا الصدف)

الكاتبة /وجنات صالح ولي . نمضي في طرقات الحياة وكأننا نعرف وجهتنا، بينما في الحقيقة نحن نسير بما توفر لنا من يقينٍ مؤقت، نختار، ونقرر، ونخطط، ثم تأتي لحظة صغيرة، عابرة، لا نعطيها قيمة، فتغيّر كل شيءدون أن نشعر بذلك . قد تكون كلمة سمعناها صدفة، أو لقاءً لم يكن في الحسبان، أو حتى تأخيرًا بسيطًا أجبرنا على سلوك طريقٍ آخر، لكنه كان الطريق الذي كُتب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

“الاجتماع الثالث لسفارة جمعية الأدب المهنية في بيشة” 

“الاجتماع الثالث لسفارة جمعية الأدب المهنية في بيشة” 

إثراء يحتفي بعيد الأضحى بتجارب ثقافية عالمية

إثراء يحتفي بعيد الأضحى بتجارب ثقافية عالمية

تربية الأبناء بين المسؤولية والواجب والأجر

تربية الأبناء بين المسؤولية والواجب والأجر

سفيرة النوايا الحسنة رند بني علي تشارك في خدمة الحجاج بالقدية

سفيرة النوايا الحسنة رند بني علي تشارك في خدمة الحجاج بالقدية

طيبة: نسخة جديدة من مبادرة “الحج الأخضر” بالتعاون مع جمعية “البيئة” بالمدينة المنورة

طيبة: نسخة جديدة من مبادرة “الحج الأخضر” بالتعاون مع جمعية “البيئة” بالمدينة المنورة

الحكواتي فايل بن سريد وترسيخ الهوية في سلطنة السلام والعطاء

الحكواتي فايل بن سريد وترسيخ الهوية في سلطنة السلام والعطاء

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode