ظاهرة السخرية والاستهزاء

​خلف أقنعة التهكم..

حين تغتال الكلمةُ الإنسان

​في دهاليز النفس البشرية، حيث تتصارع الرغبة في التميز مع نوازع النقص،

يولد “الاستهزاء”.

إنه ليس مجرد زلة لسان،

بل هو مرآة مشروخة تعكس خواءً في الروح يحاول صاحبها ترميمها بكسرِ أرواح الآخرين.

​إن السخرية في جوهرها “اغتيالٌ هادئ”؛

فهي لا تسفك دماً،

لكنها تسفك كرامة.

فهي تلك الرغبة المريضة في الصعود على أكتاف الآخرين بعد إثقالهم بكلماتٍ لاذعة، وكأن الساخر يظن أن تصغير الناس سيجعله أكبر، أو أن ضحكات المحيطين به ستُخفي ضآلة حجمه في ميزان القيم.

​الاستهزاء:

خيانةُ الفكر للموقف

حين يلجأ المثقف أو الكاتب أو حتى الإنسان البسيط إلى السخرية كأداة لفرض الرأي، فإنه يعلن إفلاسه الفكري. فالحجة البليغة لا تحتاج إلى “تنميق” بالتهكم، والكلمة الصادقة لا تفتقر إلى “بهارات” الاستهزاء لتصل إلى القلوب.

إن من يملك الفكرة النيرة

لا يضطر لاستخدام السخرية؛ فالضوء لا يحتاج إلى فضح الظلام ليُثبت وجوده، بل يطرد الظلام بمجرد حضوره.

​أثرُ الكلمة في “حياة الإنسان”

ففي مشروعنا الإنساني، حيث نوثق سيرة البشر ومشاعرهم،

ندرك أن السخرية هي العدو الأول للتوثيق الصادق.

فهي لا تنقل الواقع،

بل تشوهه. إنها تحول “الإنسان” من كائن فريد يحمل قصة وحكاية،

إلى “مادة” للضحك الرخيص.

والواقع أن كل إنسان يمر في حياتنا هو “أطلس” من التجارب،

ومن لا يحترم جلال هذه التجارب بالسخرية منها،

فإنه يحرم نفسه من حكمة التبصر وفهم عمق المعنى الإنساني.

و​الكلمة المسؤولة

هي إن البلاغة الحقيقية هي التي تمتلك القدرة على النقد دون تجريح،

وعلى تقويم الاعوجاج دون كسر الأغصان.

هي القدرة على تحويل الكلمة إلى جسر من التعاطف بدلاً من أن تكون سيفاً

من التشهير.

​لنكن حارسة لكلماتنا،

فالمتعة التي توفرها السخرية زائلة كزبد البحر، أما الجرح الذي تتركه

في نفس الطرف الآخر فقد يمتد لسنوات،

يترك أثره في الذاكرة كندبة لا تندمل.

إن الرقي يكمن في أن تختار “الصمت”

حين لا تجد في نفسك قولاً يضيف جمالاً،

أو أن تختار “الكلمة الطيبة” التي تبني ولا تهدم،

وتجبر ولا تكسر.

وفي ال​ختام:

إن الاستهزاء ليس دليلاً على ذكاء الساخر،

بل هو برهانٌ على ضيق أفقه.

فلنرتقِ بأقلامنا وألسنتنا، ليكون أثرنا في الحياة زهوراً تُزهر في دروب الآخرين،

لا أشواكاً تنغرس

في صدورهم.

بقلم /محمد باجعفر

صدى نيوز اس 1

Related Posts

تغيرت قواعد اللعبة

  بقلم: إبراهيم عبدالعزيز الموسى كثيراً ما نسمع من حولنا عبارة: “الزمن تغير”، لكن الحقيقة أن الأمر تجاوز مجرد تغير الزمن؛ فاليوم تغيرت قواعد اللعبة نفسها. ما كان يُعد ميزة بالأمس قد لا يكون كافياً اليوم، وما كان طريقاً مضموناً للنجاح أصبح مجرد خطوة من خطوات كثيرة. أصبح العالم أسرع، والمعلومات أقرب، والفرص متاحة للجميع، لكن المنافسة أصبحت أكبر من أي وقت مضى. وفي الجانب الاجتماعي،…

أهل مكة وإرث عظيم .. قال الله تعالى في كتابه الكريم : ” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ “

بقلم د. عصام الثقفي : لقد فرض الله الحج على كل مسلم ومسلمة في السنة التاسعة من الهجرة ، واعتاد أهل مكة المكرمة منذ قديم الزمان على تأهيل أنفسهم لخدمة ضيوف الرحمن الوافدين إلى هذه البقاع الطاهرة ، تقسمت المناصب في قبيلة قريش فيما يخص خدمة الوافدين لمكة المكرمة بين بطونها المختلفة لتحفظ التوازن بينها، وتمنع تنافرها أو تنازعها؛ ولتحفظ لقريش وحدتها وتماسكها، ولتوفر لمكة الهدوء…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

ندوة سعودية تناقش تحديات ترجمة المحتوى الإسلامي في “كتاب كوالالمبور 2026”

ندوة سعودية تناقش تحديات ترجمة المحتوى الإسلامي في “كتاب كوالالمبور 2026”

هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشن جناح “المملكة” ضيف شرف معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026

هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشن جناح “المملكة” ضيف شرف معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026

مستشفيات مكة المكرمة والمشاعر المقدسة تسجل زمناً قياسياً في الاستجابة للحالات الطارئة… بأقل  من 5 دقائق

مستشفيات مكة المكرمة والمشاعر المقدسة تسجل زمناً قياسياً في الاستجابة للحالات الطارئة… بأقل   من 5 دقائق

ليلة إستثنائية 

ليلة إستثنائية 

تغيرت قواعد اللعبة

تغيرت قواعد اللعبة

النجم إيهاب توفيق يحيى حفلاً غنائي بالأردن 

النجم إيهاب توفيق يحيى حفلاً غنائي بالأردن 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode