مفهوم القرب بين بساطة الماضي،وتعقيد الحاضر

 

محمد باجعفر

لقد كان الماضي بسيطًا في ظاهره

عميقًا في معناه ..

وفي تروابطه؛ إنسانا ومكانا

حيث كانت البيوت متقاربة جدا،

على أرض،الولقع وأبوابها مفتوحة على مصراعيها ومشرعة،

ونعيش،الحياة جماعات

لا فرادى نشعر بكل معاني الإخاء، والصداقة

فلم تكن الوحدة خيارًا مطروحًا، بل تفهم انها عزلة ومرض وغربة موحشة في البعد عن الناس،

لذلك كان القرب حاضرًا دائمًا،

في القلوب والنفوس

قبل المكان

نشارك بأرواحنا وأجسادنا

في كل تفاصيل الحياة اليومية، بحلوها ومرّها.

بينما اليوم، فقد تغيّر إيقاع الحياة ورتمها ، ونمط التفكير

واتسعت المسافات، ليس بين البيوت فحسب، بل بين القلوب و نمط التفكير المغقد والظن السيء أيضًا.

فأصبح لكل إنسان عالمه الخاص، الذي يقضيه،في التنقل بين منصات التواصل الإجتماعي عبر الفضاء الإلكتروني

فهي، أضحت وأمست وقته الذي يصونه،

ومساحته التي يلوذ بها ويلجأ إليها

من ضجيج الحياة وصخبها الخارجي.

لم تعد الوحدة تعني العزلة فحسب بل صارت في كثير

من الأحيان بمثابة مساحة للهدوء، والتأمل،

وإعادة ترتيب النفس وضبط موجة تفكيرها وقباسات تردد أحاسيسها،ومشاعرها

فما بين هذين الزمنين،

تقف أجيالا مختلفة في فهمها لمعنى القرب؛ وماذا يعني لها

فجيلا يرى أن الطمأنينة في كثرة اللقاء،

وجيلا آخرا يجد الراحة في التوازن بين الحضور والغياب.

فلا هذا يعتبر على خطئ تام

ولا ذاك على صواب مطلق،

فلكل زمن ظروفه الخاصة

وعالمه المليئ بالمفارقات والعجائب فلا غرابة

أن يكون لكل إنسان طريقته في الشعور بالأمان.

فالقرب الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات التي نقضيها مع الآخرين، بل بصدق المشاعر

والأحاسيس، وعمق الترابط، حتى وإن باعدت بيننا المسافات.

فربّ قلبٍ قريب منا وإن غاب،

وربّ قلب حاضرٍا دائم لا يترك في نفوسنا أثرًا يحمد ..

بل قد يجعل جرحا يلتهب ألما

فالصدى في النفس يتردد مع كل حرفٍ خطتْهُ لنا حروف الحياة

فما أجمل الرؤية المتزنة؛

التي رسمتها الحياة في لوحةً بليغةً تعبر عن رحلتنا ما بين “قربِ الأجساد”

الذي فرضته بساطة الماضي،

و”قربِ الأرواح” الذي فرضه

تعقيد الحاضر.

فما ​بين الملموسِ والمحسوس

​ اليوم، نعيشُ مفارقات ة عجيبة؛

نجحنا في تقليص المسافات الجغرافية عبر التكنولوجيا،

فوجدنا أنفسنا أمام تحدٍ جديد:

كيف نحافظ على “دفء” القرب في زمنٍ طغت فيه “كثافة” الاتصال؟

ف​في الماضي: كان القربُ “جغرافيا” وممارسةً يومية،

كان يُرى بالعين المجردة ويُسمع بالصدى؛

فالبيتُ المفتوحُ لم يكن

مجرد بناء،

بل كان عهداً بالاحتواء.

​ففي الحاضر: أصبح القربُ “اختياراً” ووعياً،

فلم يعد القربُ يُقاس

بالتواجد الفيزيائي،

بل بالقدرة على

“الحضور الذهني والقلبي” وسط هذا الضجيج الرقمي.

ف​جوهرُ الحقيقة عندما نتفقُ معا على أن القرب الحقيقي

هو ذاك القرب الذي، لم يكن،

رهين الحيز المكاني؛فحسب .

فالأرواحُ لا تحتاج إلى جدرانٍ متلاصقة لتعرفَ طريقها

إلى بعضها البعض.

بل هي “حالة شعورية”؛ وميثاقٌ خفي يجعلنا نحسُّ بمن نحب،ونشعر بوجوده.

حتى وإن فصلت بيننا القاراتٌ

أو الشاشات.

​”فلا يهمُّ كم مرةً نلتقي،

بل يهمُّ ما نتركه في الروح من أثرٍ حين نفترق.”

​نحو جيلٍ يجمعُ الضفتين

فإن التحدي الحقيقي اليوم،

هو الذي،يجعلنا نلملمُ شتاتَ هذين العالمين، الماضي،البسيط،

والحاضر،المعقد بقوانين الحياة

وليس،بالانحياز لجيلٍ

على حساب جيل آخر،

ففي “عالم” التقنية الرقمية .

نسعى جاهدين لجعل منصات التواصل جسوراً للمودة

لا أسواراً للعزلة،

وأن نُعلّم أجيالنا أن الهدوء ليس بالضرورة انقطاعاً،

وأن الحضور ليس بالضرورة

تواجداً مستمراً.

​وهذا يعني “فقه القلوب”؛

فمن أدرك أن القربَ سكن

لا مكان، استرحَة وراحة،

وأيقنَ أنَّ المحبةَ لا تغيب بغياب الأجساد،

بل تعيشُ فينا،

و تنبضُ كلما تذكرنا،

وتزهرُ كلما تجددَ الوصلُ

ولو بكلمةٍ صادقة.

​تصب الحقيقةَ في جوهرها، الظاهر والخفي.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الجبل الناطق فكره وطنيه سعوديه تجسد همة السعوديين 

  متابعات : مشعل الثبيتي طرح المواطن الأستاذ مسعد بن عايد العنزي فكرة مشروع وطني وسياحي جديد يحمل اسم “الجبل الناطق”، وهو مشروع مستوحى من مقولة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله -: «همة السعوديين مثل جبل طويق، ولن تنكسر إلا إذا انهار هذا الجبل وتساوى بالأرض». وتقوم الفكرة على إنشاء مجسم ضخم يجسد معاني…

حين يؤذيك من كنت تخاف عليه من الأذى

  بقلم: أحمد علي بكري هناك لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى في حياة الإنسان، لحظة لا تأتي بصوتٍ واضح ولا بحدثٍ صادم، بل تتسلل بهدوءٍ مخيف، كأنها ظلّ فكرةٍ كانت مؤجلة، ثم قررت أن تصبح حقيقة كاملة: أن الشخص الذي كنت تحميه من العالم… صار هو نفسه العالم الذي يؤذيك. هذه ليست قصة خذلان عابر، بل انقلاب داخلي في معنى الحب ذاته، حين يتحول القلب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

محافظ المندق يستعرض مستهدفات وبرامج المدينة الصحيه

محافظ المندق يستعرض مستهدفات وبرامج المدينة الصحيه

بيئة الليث تباشر بلاغًا عن آبار مكشوفة بمركز الرهوة

بيئة الليث تباشر بلاغًا عن آبار مكشوفة بمركز الرهوة

برنامج “صبايا” يمكّن 300 طالبة من بناء علاقات أسرية إيجابية وتعزيز مهارات التواصل والحوار

برنامج “صبايا” يمكّن 300 طالبة من بناء علاقات أسرية إيجابية وتعزيز مهارات التواصل والحوار

الجبل الناطق فكره وطنيه سعوديه تجسد همة السعوديين 

الجبل الناطق فكره وطنيه سعوديه تجسد همة السعوديين 

“خالد قماش” يدير نقاشاً ثرياً مع “ردة السفياني” حول مسيرة الشعر من الكلاسيكية إلى الحداثة

“خالد قماش” يدير نقاشاً ثرياً مع “ردة السفياني” حول مسيرة الشعر من الكلاسيكية إلى الحداثة

مجمع الأمير سلطان للتأهيل «إيفاء» يحتفي بفريق الأطراف الصناعية بعد إنجاز إنساني في السودان تجاوز المستهدفات

مجمع الأمير سلطان للتأهيل «إيفاء» يحتفي بفريق الأطراف الصناعية بعد إنجاز إنساني في السودان تجاوز المستهدفات

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode