حين يؤذيك من كنت تخاف عليه من الأذى

 

بقلم: أحمد علي بكري

هناك لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى في حياة الإنسان، لحظة لا تأتي بصوتٍ واضح ولا بحدثٍ صادم، بل تتسلل بهدوءٍ مخيف، كأنها ظلّ فكرةٍ كانت مؤجلة، ثم قررت أن تصبح حقيقة كاملة: أن الشخص الذي كنت تحميه من العالم… صار هو نفسه العالم الذي يؤذيك. هذه ليست قصة خذلان عابر، بل انقلاب داخلي في معنى الحب ذاته، حين يتحول القلب من حارسٍ لسلام شخصٍ ما إلى ضحيةٍ لوجوده.

لم يكن الحب يومًا بسيطًا كما يتخيله الناس، بل هو في جوهره عقدٌ غير مكتوب بين روحين، أحدهما يقرر أن يضع قلبه على الطاولة بلا شروط، والآخر قد يجهل تمامًا أنه يمسك شيئًا قابلًا للكسر بهذه السهولة. كنتَ تحاول أن تبني له عالمًا لا يعرف فيه الانكسار، أن تسبق عنه الألم قبل أن يصل إليه، أن تتلقى عنه رياح الحياة الباردة، أن تكون الدرع حين لا يملك هو درعًا، أن تكون الدفء حين يبرد كل شيء حوله. لكنك في لحظة لا تفهم كيف حدثت، تكتشف أنك كنت تبني له قلعة من قلبك أنت، وأنك كنت تسكنها وحدك، بينما هو كان يمشي خارجها دون أن يشعر أن هناك من ينهار في كل خطوة يبتعد فيها.

المؤلم ليس في أن يؤذيك، بل في أنك كنت تراه أضعف من أن يؤذي أحدًا، كنت تراه هشًا لدرجة أنك لم تتخيل يومًا أنه يمكن أن يكون مصدر الألم. وهنا يحدث الانكسار الحقيقي: حين لا يكون الخذلان فعلًا مقصودًا فقط، بل اكتشافًا قاسيًا أن نظرتك له كانت أجمل مما هو عليه في الواقع. كأنك أحببت فكرةً عنه، ثم اكتشفت متأخرًا أن الواقع لا يحمل نفس القداسة التي رسمتها داخلك.

هناك نوع من الحب يجعلك تتنازل عن نفسك دون أن تشعر، ليس لأنك ضعيف، بل لأنك صدّقت أن الحب يعني أن تكون أقل ألمًا له وأكثر تحملًا عنه. كنتَ تُطفئ حرائق حياته بيديك، حتى احترقت يداك دون أن تنتبه، كنتَ تجمع شتاته الداخلي قطعة قطعة، بينما شتاتك أنت كان يتسع بصمت لا يراه أحد. وفي النهاية، تجد نفسك واقفًا أمام مرآة لا تعرف فيها أي النسخ منك هو الحقيقي: ذلك الذي كان يحب بلا حدود، أم ذلك الذي تكسّر وهو يحاول ألا يكسره العالم.

الأشد قسوة أن الخذلان لا يأتي دائمًا على شكل جرح مباشر، بل على شكل برود تدريجي، على شكل مسافة تتسع دون إعلان، على شكل صمت يصبح أثقل من أي كلام. تبدأ الأسئلة الصغيرة بالظهور: لماذا تغيّر؟ لماذا أصبح هذا القلب الذي كان يعرفني لا يعرفني الآن؟ لكن الحقيقة المؤلمة أنك لا ترى التغير يحدث، لأنك كنت منشغلًا بمحاولة الحفاظ على الصورة القديمة، بينما الشخص الآخر كان قد غادرها منذ زمن دون أن يخبرك.

ثم تدرك شيئًا أكثر عمقًا من الألم نفسه: أن من كنت تحميه لم يكن بحاجة إلى كل تلك الحماية، أو ربما كان يحتاجها، لكنه لم يعد يراك أنت مصدرها. وهنا يصبح الألم مركبًا، لأنك لا تخسر شخصًا فقط، بل تخسر الدور الذي بنيت عليه ذاتك داخل العلاقة. أن تكون الحامي، أن تكون الملاذ، أن تكون المعنى الذي يجعل كل شيء أقل قسوة… ثم فجأة لا يبقى لك أي معنى داخل قلبه.

في الحب الحقيقي، لا يُقاس الألم بعدد المواقف، بل بعمق التوقعات التي انكسرت. أنت لم تكن تنتظر منه الكمال، كنت فقط تنتظر أن لا تكون أنت الجرح. لكن المفارقة أن أكثر من تحبهم بصدق، هم أكثر من يملكون القدرة على تحطيمك دون أن يقصدوا، لأن قربهم منك يجعلهم قادرين على لمس أضعف نقاطك دون جهد.

ومع الوقت، تبدأ رحلة الانسحاب الداخلي، ليس انسحاب الجسد بل انسحاب الروح. تظل حاضرًا، تتحدث، تبتسم، لكن هناك جزءًا منك لم يعد هناك. جزءٌ قرر أن يتوقف عن الحماية، عن المحاولة، عن الإنقاذ، لأنه فهم متأخرًا أن بعض القلوب لا تُحفظ مهما حاولت، وأن بعض العلاقات لا تنكسر فجأة بل تُستنزف ببطء حتى لا يبقى فيها ما يُكسر أصلًا.

وربما أكثر ما يوجع في النهاية ليس فقدان الشخص، بل فقدان البراءة الأولى في الحب، تلك التي كانت تجعلك تعتقد أن النقاء وحده كافٍ ليحمي كل شيء. تكتشف أن النقاء لا يحمي، وأن الحب لا يمنع الأذى، وأن أقرب الناس إليك يمكن أن يكونوا أبعدهم عن فهمك.

وهكذا، لا يبقى من القصة إلا سؤال واحد يتردد في الداخل بصمت ثقيل: كيف لشخصٍ كنت أخاف عليه من الألم… أن يصبح هو الألم نفسه؟

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الفل الجازاني عشق لا ينتهي 

دكتور حسن الأمير الفل في جازان ليس مجرد زينة بل هو لغة وهوية ونبض قلب وإرث يتوارثه الأحبة جيلًا بعد جيل………. على عتبات جازان البهية يشرق الصباح حاملاً في كفه سراً من أسرار الجمال سراً يختصر ألف قصيدة وقصيدة إنه الفل الجازاني ذلك العشق الأبدي الذي لا ينتهي والنبض الذي  لا يهدأ في عروق هذه الأرض الطيبة……… حين تلامس نسمات المساء مشاتل الفل تفوح في الأرجاء…

وطنٌ ومجدٌ وطيبُ أعراق

مقال / الإعلامي خضران الزهراني منطقة الباحة | صحيفة صدى نيوز السعودية الإلكترونية الوطن ليس ترابًا نطأه، ولا حدودًا نسكنها فحسب؛ بل هو عزٌّ ينبض في القلوب، وتاريخٌ نحمله أمانة، ومجدٌ نصونه وفاءً، ورايةٌ نرفعها فخرًا واعتزازًا. وفي المملكة العربية السعودية، تتجلّى أصالة الجذور في طيب الأعراق، وتشرق العزيمة في سواعد الرجال، ويتجسّد المجد في منجزات وطنٍ شُيّد بنيانه على دعائم الوحدة، وأرسى المؤسسون دعائمه، ثم…

لقد فاتك ذلك

جامعة الملك عبدالعزيز وشركة “الثليم” توقعان اتفاقية لدعم الأبحاث والتدريب في الطاقة المتجددة وتقنيات المناخ

جامعة الملك عبدالعزيز وشركة “الثليم” توقعان اتفاقية لدعم الأبحاث والتدريب في الطاقة المتجددة وتقنيات المناخ

جامعة الملك عبدالعزيز تحتضن معسكر “تحدي الجامعات” في مجالات الابتكار والتقنية وريادة الأعمال

جامعة الملك عبدالعزيز تحتضن معسكر “تحدي الجامعات” في مجالات الابتكار والتقنية وريادة الأعمال

منتدى الصناعة السعودي

منتدى الصناعة السعودي

تحويل الدراسة إلى التعليم عن بُعد في أبها وخميس مشيط وأحد رفيدة

تحويل الدراسة إلى التعليم عن بُعد في أبها وخميس مشيط وأحد رفيدة

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يعزز الوعي بالظهور الإعلامي الذكي

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يعزز الوعي بالظهور الإعلامي الذكي

الهايكنق والصيد البحري يوسّعان آفاق المغامرة في معرض الصقور والصيد 2026

الهايكنق والصيد البحري يوسّعان آفاق المغامرة في معرض الصقور والصيد 2026

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode