حين أصبحت الشاشات شريكًا في مجالسنا بين هوس الشهرة وفقدان دفء اللقاءات الإنسانية

 

مزنة بنت سعيد البلوشية

كاتبة وصحفية عُمانية

كانت المجالس في زمنٍ مضى موطنًا للألفة، ومدرسةً للأخلاق، ومكانًا تلتقي فيه القلوب قبل الألسن. كانت الزيارة تبدأ بالسلام، وتُزهر بالابتسامات، وتنتهي بذكريات جميلة تبقى في الوجدان. لم تكن هناك عدسات تراقب التفاصيل، ولا شاشات تقطع لحظات القرب، بل كان الحضور الحقيقي هو أجمل ما في اللقاء.

أما اليوم، فقد أصبح الهاتف حاضرًا في كل مجلس، حتى كأنه فردٌ جديد يجلس بيننا. لا خلاف أن التقنية فتحت لنا أبوابًا واسعة للتواصل والمعرفة، لكنها في المقابل جعلت البعض يعيش اللحظة من أجل تصويرها، لا من أجل الشعور بها، وأصبح السعي خلف الشهرة وعدد المشاهدات يطغى أحيانًا على قيمة اللقاء وخصوصيته.

وهنا تظهر الحاجة إلى استعادة ثقافة آداب المجالس؛ فلكل مجلس حرمته، ولكل إنسان خصوصيته التي يجب احترامها. فحتى لو كان اللقاء بين الأصدقاء أو الأقارب، فإن الاستئذان قبل التصوير ليس مجرد إجراء، بل هو تقدير لمشاعر الآخرين وحفظ لمساحتهم الخاصة.

فكم من موقف عفوي لم يُقصد به سوء؛ لكنه تسبب في إحراج أو سوء فهم، وربما أدى إلى فتور علاقة بين أحبة. فليست كل لحظة جميلة تصلح للنشر، وليست كل ضحكة تحتاج إلى جمهور؛ فبعض الأشياء تزداد جمالًا حين تبقى بين أصحابها.

لقد فقدنا شيئًا من دفء المجالس حين أصبح البعض حاضرًا بجسده وغائبًا بفكره، منشغلًا بشاشته عن وجوه من حوله. فأين تلك اللقاءات التي كانت تجمعنا بالأحضان قبل الجوال؟ أين تلك الابتسامة التي كانت تسبق الصورة؟ أين تلك الأحاديث التي كانت تُروى من القلب إلى القلب دون أن تبحث عن إعجاب أو مشاركة؟

أما أطفالنا، فهم يعيشون في زمن مختلف؛ زمن أصبحت فيه الأجهزة جزءًا من تفاصيل حياتهم. وهنا لا يكفي المنع، بل نحتاج إلى التوجيه وبناء الوعي. فالطفل يتعلم مما يراه أكثر مما يسمعه، فإذا رأى الأسرة منشغلة بالهواتف، أصبح ذلك سلوكًا طبيعيًا لديه. لذلك يجب أن نعيد التوازن، وأن نمنح أبناءنا وقتًا للحوار، واللعب، والقراءة، والتواصل الحقيقي.

إن النصيحة اليوم ليست بالابتعاد الكامل عن التقنية، بل باستخدامها بوعي ومسؤولية. فلنجعل الهاتف وسيلة تخدم حياتنا لا تسرقها، ولنجعل حضورنا مع من نحب حضورًا كاملًا لا مجرّد وجود في المكان.

ولنتذكر أن الشهرة لحظة، أما العلاقات فهي عمر كامل. وأن الصورة الجميلة ليست دائمًا التي تُلتقط بالكاميرا، بل تلك التي تُحفر في القلب ولا تمحوها الأيام.

فلنحافظ على مجالسنا، وعلى احترامنا لبعضنا، ولنعلّم أبناءنا أن أجمل ما في الحياة ليس ما نعرضه للآخرين… بل ما نعيشه بصدقٍ ودفءٍ ومحبة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

ماذا يحدث في مجالس الضيافة حين نغفل عن خصوصية الآخرين؟

  ✍️محمد فريح الحارثي حساسية حوارات المجالس حين نغفل عنها! في ثقافتنا، المجلس ليس مجرد عنوان لكرم الضيافة وتقديم القهوة، بل هو مرآة وعينا ومقياس رقيّنا. لطالما تربينا على مقولة “المجالس مدارس”، ومدرسة المجلس تقوم في الأصل على الحشمة، والتقدير، والكلمة الموزونة. لكن لو تأملنا بعض مجالسنا اليوم، لوجدنا أننا أحياناً -ودون أن نشعر- نقع في “سقطات” عفوية، أو نفتح أبواباً لحوارات حرجة تمس مشاعر وخصوصية…

ندم على ما لم نفعله

    ✍️ بقلم: وجنات صالح ولي. حين يصادفنا ثقل التفكير والحياة معًا وتجتمع في طريقنا حتى تثقل خطواتنا . أحيانًا لا يكون الندم على ما فعلناه هو الأثقل… بل على ما لم نجرؤ على فعله من الأساس. الكلمة التي بقيت في صدورنا حتى بهتت، الفرصة التي مرّت بجانبنا ولم نمدّ لها يدًا، والمشاعر التي أخفيناها وكأن الصمت سينقذنا منها… كلها لا تختفي، بل تبقى معنا،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

مستشفى الملك عبدالعزيز يفعّل اليوم العالمي للأنيميا المنجلية في أحد المولات بجدة 

مستشفى الملك عبدالعزيز يفعّل اليوم العالمي للأنيميا المنجلية في أحد المولات بجدة 

بحضور عدد من أصحاب السمو الأمراء وأصحاب المعالي  الفنانون يرسمون سيرة قائد الوطن في جائزة ضياء للبورترية

بحضور عدد من أصحاب السمو الأمراء وأصحاب المعالي   الفنانون يرسمون سيرة قائد الوطن في جائزة ضياء للبورترية

نظمها مركز الملك فيصل  ” ذاكرة البحر” محاضرة توثق التراث البحري في البحر الأحمر

نظمها مركز الملك فيصل   ” ذاكرة البحر” محاضرة توثق التراث البحري في البحر الأحمر

“لحظة تخرجكم”.. جمعية “عطف” للأيتام بالعارضة تحتفي بكوكبة من أبنائها وبناتها

“لحظة تخرجكم”.. جمعية “عطف” للأيتام بالعارضة تحتفي بكوكبة من أبنائها وبناتها

بيئة العاصمة المقدسة والضبط الإداري يضبطان بيع حليب الإبل العشوائي على طرق مكة

بيئة العاصمة المقدسة والضبط الإداري يضبطان بيع حليب الإبل العشوائي على طرق مكة

عزاء روسي في رحيل الشاعر سمير عبد الباقي

عزاء روسي في رحيل الشاعر سمير عبد الباقي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode