بقلم/ أحمد علي بكري
شهدت الساحة الثقافية والفنية العربية تحولاً لافتاً مع عرض الجزء الأول من فيلم “الفيل الأزرق”، والذي حقق نجاحاً جماهيرياً ونقدياً واسعاً. تمحورت حبكة العمل الدرامي حول “حبة” غامضة تنقل مستهلكها إلى عوالم موازية وتجعله يرى تجسدات بصرية وهلاوس معقدة، مما دفع السواد الأعظم من المشاهدين إلى تصنيف الفكرة ضمن خانة الخيال العلمي السينمائي المحض. غير أن الواقع العلمي يخفي حقيقة صادمة؛ إذ إن هذه المادة ليست وحياً من خيال الكُتّاب، بل هي محاكاة لمركب كيميائي حقيقي قائم في الطبيعة، يصنفه علماء الأعصاب والصيدلة كأقوى مادة مهلوسة عرفتها البشرية على مر العصور.
تكمن المعضلة الكبرى والمثيرة للحيرة العلمية في أن الأشخاص الذين خاضوا غمار هذه التجربة من خلفيات ثقافية، لغوية، وجغرافية متباينة، قد تواترت شهاداتهم بوصف نفس التفاصيل البصرية والحسية بدقة متناهية. تتلخص هذه الأنماط المتكررة في الشعور بالاندفاع السريع داخل نفق هندسي طويل مضاء، يليه الانفصال التام عن الجسد المادي، وصولاً إلى مواجهة كائنات ذكية غريبة والتواصل الذهني معها. هذا التماثل الدقيق في الرؤى يطرح تساؤلاً جوهرياً عجز العلم والفلسفة والتاريخ عن تقديم إجابة قاطعة وشافية له: هل يعيش الإنسان في واقع وهمي مبسط بينما تمثل هذه المادة بوابة العبور إلى الوعي الحقيقي والأبعاد الخفية للكون؟
إن المادة المعنية بالدراسة تُعرف علمياً باسم “ثنائي ميثيل تريبتامين” وتُختصر برمز (DMT)، وهي مركب كيميائي طبيعي ينتمي إلى عائلة التريبتامين. لا يقتصر وجود هذا المركب على المختبرات الكيميائية، بل إنه ينتشر بشكل واسع وغريب في الأنسجة الحيوية لعديد من النباتات والحيوانات، والأكثر إثارة للذهول هو اكتشاف العلماء لآثار ومؤشرات تدل على وجوده أو إمكانية تخليقه داخل جسم الإنسان نفسه. وبخلاف المواد المخدرة التقليدية التي يمتد مفعولها لعدة ساعات، فإن تجربة الـ (DMT) تتميز بقصر مدتها الزمنية الفسيولوجية التي لا تتجاوز دقائق معدودة، غير أن المستهلك يعود منها بيقين راسخ بأن ما رآه وعاشه كان أكثر واقعية وملموسية من الواقع اليومي المعاش، نظراً لأن المادة تعزل الدماغ تماماً عن المدخلات الحسية الطبيعية.
تاريخياً، بدأت الدراسات المخبرية الممنهجة حول هذه المادة في ستينيات القرن العشرين، حيث صُدم الباحثون بأن الجسم البشري يمتلك آليات فطرية لاستقبالها والتعامل معها دون إبداء علامات الرفض المناعي أو العضوي الكلاسيكي للمواد الغريبة، بل يجري تمثيلها حيوياً عبر المستقبلات العصبية ذاتها التي تستخدمها مادة “السيروتونين” المسؤولة عن تنظيم المزاج والإدراك. وفي تسعينيات القرن الماضي، قاد عالم النفس الأمريكي “ريك ستراسمان” سلسلة من التجارب السريرية المقننة، والتي سجل خلالها شهادات لمتطوعين وصفوا فيها بدقة ظاهرة “الخروج من الجسد” ورؤية أجسادهم من الأعلى كمن ينظر عبر عدسة طائرة مسيرة. فتحت هذه الأنماط المتكررة الباب أمام فرضيات عصبية تربط بين إفراز هذه المادة وحالات التأمل العميق، الأحلام، بل وحتى لحظات الصدمات الفيزيائية الشديدة وتوقف عضلة القلب أو ما يُعرف طبيّاً بـ “تجارب الاقتراب من الموت”.
بالعودة إلى الجذور الأنثروبولوجية، يكشف التاريخ أن البشر قد تعاملوا مع هذا السر منذ آلاف السنين؛ فقبل نحو قرنين من الزمان، نجح عالم النباتات البريطاني “ريتشارد سبروس” في التغلغل داخل غابات الأمازون والعيش بين قبائلها البدائية لثلاث سنوات. وثّق “سبروس” طقوساً سرية ومقدسة تمتد لسبعة آلاف عام، حيث تجتمع القبائل لشرب عقار تقليدي مستخلص من نباتات الغابة يحتوي على مركب (DMT) تحت إشراف “الشامان” أو رجل الطب الروحي. كانت هذه القبائل الوثنية المعزولة تعتقد أن الشراب يمثل وسيلة حتمية للاتصال بالعوالم الروحية وتلقي الإرشادات الكونية. وعندما قام العالم البريطاني بتجربة المشروب بنفسه، اختبر ذات المشاعر المتناقضة من الحرارة الشديدة والبرودة الفجائية، والخوف الممزوج بالراحة التامة، مما أكد للعلم الحديث لاحقاً أن تلك الطقوس السحرية لم تكن سوى تفاعلات كيميائية حيوية بحتة خَدعت العقول لقرون.
من المنظور التشريحي العصبي، تُظهر تقنيات تصوير الدماغ الحديثة المتطورة أثناء خضوع الفرد لتأثير الـ (DMT) نشاطاً غير مسبوق؛ إذ تتواصل أجزاء ومراكز عصبية معزولة فسيولوجياً في الحالة الطبيعية بشكل متزامن وعنيف. هذا الالعصب الشامل يؤدي إلى تداخل الصور، الأصوات، والذكريات والمشاعر، مما ينجم عنه تلاشي الحدود تماماً بين الواقع والخيال. وفي تلك اللحظات، يختفي الإحساس بالوقت والمكان كلياً، ويشعر الفرد بـ “موت الأنا” والتلاشي في فضاء من الطاقة النورانية، مصحوباً بتتدفق كميات هائلة من المعلومات الكونية والسياسية والفلسفية في أجزاء من الثانية، وهو ما يتطابق بنيوياً مع آلاف الأحلام القصيرة جداً في عمرها الزمني والعميقة في إدراكها الحسي. وقد أطلق الباحث “تيرينس ماكينا” وصف “قزامات الآلة” على الكائنات المتكررة في تلك الرؤى الشائعة.
تنبثق من هذه المعطيات فرضية علمية وفلسفية بالغة الخطورة، تقترح أن الوعي البشري في حالته اليومية المعتادة ليس سوى “فلتر” أو مرشح بيولوجي وضعه الخالق سبحانه لحماية العقل البشري. فالدماغ يعرض للإنسان نسخة مبسطة ثلاثية الأبعاد لتيسير سبل العيش وتجنب الانهيار العقلي، بينما يعج الكون بأبعاد ترددية وذبذبية وكيانات غيبية لا ندركها، وتأتي هذه المادة لتعطيل هذا الفلتر البيولوجي مؤقتاً فيرى العقل ما لا يطيق تنظيمه واستيعابه. وهنا تتقاطع الرؤى العلمية مع المفهوم الديني الدال على أن الحياة الدنيا مرحلة مؤقتة أشبه بالحلم أو بمسافر استظل تحت ظل شجرة، وأن بوابات الموت هي المعبر الحقيقي نحو الوعي المطلق والأبدي.
وعلى الرغم من محاولات بعض الباحثين مؤخراً إخضاع مركب الـ (DMT) لتجارب علاجية مقننة لعلاج حالات الاكتئاب الحاد والاضطرابات النفسية المستعصية، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل نظراً لعدم إمكانية التنبؤ بمسار التجربة. فالجانب المظلم لهذا العقار ينطوي على مخاطر تدميرية مرعبة؛ إذ أسفرت تجارب عديدة عن حدوث حالات وفاة مفاجئة، وتمزق الحبال الصوتية جراء الصراخ الهستيري من الرعب الناتجة عن رؤية عوالم سوداوية وجحيمية، وعودة بعض المتطوعين باكتئاب حاد دائم أو فقدان كامل للوعي والاتصال بالواقع. إن هذا التعقيد البنيوي الفريد يقودنا إلى الحقيقة الكونية الراسخة بعجز البشرية أمام دقة الخلق الإلهي، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}. وفي المحصلة، يظل الدماغ البشري جهازاً مصمماً بدقة فائقة لحمايتنا من التدفق الهائل للحقائق الكونية المحيطة بنا، وتظل محاولة العبث الكيميائي بهذا النظام البيولوجي المحكم مغامرة غير مأمونة العواقب ومحفوفة بالهلاك.








