من خلف شاشات الهواتف.. حين نكون مفاتيح للشر ومغاليق للخير

✍️محمد فريح الحارثي

لواء متقاعد

من خلال تصفح بعض منصات وسائل التواصل تستوقفني بعض المحادثات النصية المكتوبة او التي تاتي في قالب صورة في محادثات المجموعات وعلى الحالات الشخصية.

ومنها عبارة كُتبت بخط منمق تقول: “لا تعطي أحداً فوق قدره، فالمجاملة جعلت البعض يظنون أنهم شيء وهم لا شيء”.

وتعجبت أكثر عندما شاهدت بعض الإعجابات التي نالتها هذه الكلمات. للوهلة الأولى، قد يظن المرء أنها نصيحة ذكية لحماية النفس ووضع الحدود مع الآخرين، لكنني تساءلت: متى أصبحت الحكمة قاسية إلى هذا الحد؟ ومتى كان حفظ النفس يتطلب منا سحق كرامة الآخرين ووصفهم بأنهم “لا شيء”؟

الحقيقة أننا ومن خلف هذه الشاشات الصامتة، أصبحنا نمرر الكلمات بلمسة إصبع دون أن ندرك أثرها، ونقع بجهل منا في فخ خطير حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو أن نتحول إلى مفاتيح للشر مغاليق للخير. هذه الرسائل المنتشرة ليست مجرد حكمة اجتماعية، بل هي “شر خفي” يرتدي ثوب النصيحة. إنها تبث في نفوسنا استعلاءً ونرجسية مبطنة، وتدفعنا للتدابر والتقاطع الذي نهينا عنه. كيف نجرؤ، كبشر خطائين، أن ننظر إلى إنسان كرمه الله ونفخ فيه من روحه، ثم نشير إليه بأصابع الازدراء ونقول عنه إنه “عدم”؟ أليس هذا هو عين الكبر الذي يطرد صاحبه من رحمة الله؟

البعض يهرب من الواقعية إلى القسوة لأنها أسهل. لكن لو تأملنا بعمق، لوجدنا أن وجود الأشخاص الصعاب من حولنا، وأولئك الذين تمتلئ نفوسهم بالخبث، ليس مبرراً لنشتمهم أو نحتقرهم، بل هو الابتلاء الحقيقي لأخلاقنا. فإلى من يتوجه أجر كظم الغيظ والعفو إن كان كل الناس ملائكة؟ وكيف سننال الصبر الذي وعدنا الله به بغير حساب في كتابه حين قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}؟ هذا الأجر العظيم لم يُجعل لمن يعيش في حياة معزولة، بل لمن يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، ويترفع بحلمه عن طيشهم.

إن غايتنا الأسمى التي يجب أن نتذكرها في كل نقاش وبلوغ خلف الشاشات، هي القرب من مجالس العز يوم القيامة، وهذا القرب لم يُربط يوماً بالقدرة على إفحام الآخرين أو تصغيرهم، بل كان شرطه الدائم والوحيد هو سلامة الصدر ولين الجانب. تذكروا قول نبينا الكريم: «إنَّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلساً يومَ القيامةِ أحاسنُكم أخلاقاً». حسن الخلق هو الشجاعة الحقيقية، والترفع عن مقابلة الكبر بكبر مثله هو بوابتنا لنكون مفاتيح للخير في زمن جفت فيه المشاعر.

الوعي لا يعني أبداً القسوة، وحماية قلبك من الخذلان لا تتطلب منك سحق آدمية غيرك. لنكن فلاتر واعية لما ننشره، ونكن من اهل الخير الذي قال عنهم صل الله عليه وسلم:«إنَّ منَ الناسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وإنَّ منَ الناسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الخَيْرِ علَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ علَى يَدَيْهِ».

صدى نيوز اس 1

Related Posts

سلامة المرضى… أمانٌ يبدأ بالإنسان

  بقلم أ. غميص الظهيري في السابع عشر من سبتمبر من كل عام، يحتفي العالم بـ اليوم العالمي لسلامة المرضى، وهي مناسبة تذكّر بأهمية جعل سلامة الإنسان محورًا أساسيًا في منظومة الرعاية الصحية، وتعزيز الجهود الرامية إلى الحد من الأخطاء والمخاطر التي قد يتعرض لها المرضى أثناء تلقيهم الخدمات الصحية. ولا تقتصر سلامة المرضى على تجنب الأخطاء الطبية فحسب، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من لحظة…

الأمن والإيمان.. نعمتان تستحقان الشكر

  بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه بمناسبة تعميم وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بشأن التذكير بنعم الله تعالى، والحديث عن نعمة الأمن والإيمان وشكر النعمة، تأتي هذه المناسبة لتسلط الضوء على واحدة من أعظم النعم التي ينعم بها الإنسان والمجتمع؛ إنها نعمة الأمن والأمان، التي بها تستقيم الحياة، وتطمئن النفوس، وتُبنى الأوطان. لقد أنعم الله تعالى على الإنسان بنعم كثيرة لا تُحصى، ومن أعظمها…

لقد فاتك ذلك

الأمير عبد الرحمن بن مساعد يكتب فى حب الوطن

الأمير عبد الرحمن بن مساعد يكتب فى حب الوطن

جمعية رواد العمل التطوعي بجازان’ تختم المعسكر التدريبي مُستدام 

جمعية رواد العمل التطوعي بجازان’ تختم المعسكر التدريبي مُستدام 

«عزنا بطبعنا.. وفرحتنا تجمعنا».. نسائم الخير 2030 تحتفي باليوم الوطني الـ96 في التأهيل الشامل بجازان

«عزنا بطبعنا.. وفرحتنا تجمعنا».. نسائم الخير 2030 تحتفي باليوم الوطني الـ96 في التأهيل الشامل بجازان

للدكتور عبدالمحسن القاسم في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي: يؤكد أن ما ينزل بالعباد من نعم ومحن وأرزاق يجري بتقديره وحكمته

للدكتور عبدالمحسن القاسم في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي: يؤكد أن ما ينزل بالعباد من نعم ومحن وأرزاق يجري بتقديره وحكمته

الدكتور بندر بليلة في خطبة الجمعة بالمسجد الحرام يؤكد إن سوء الظن مغبنته عظيمة

الدكتور بندر بليلة في خطبة الجمعة  بالمسجد الحرام  يؤكد إن سوء الظن مغبنته عظيمة

لقاء أعمال جزائري-ألماني حول الهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة

لقاء أعمال جزائري-ألماني حول الهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode