الكبرياء… صعودٌ للهاوية

 

الإعلامي: عادل بن محمد البكري

جازان – صحيفة صدى نيوز إس

قد يظن المتكبر أنه كلما ارتفع على الناس ازداد شأنًا، وأن التعالي يمنحه هيبةً ومكانة، لكن الحقيقة أن الكِبر ليس طريقًا إلى القمم، بل هو بداية انحدارٍ خفيٍّ نحو القاع.

فكل صعودٍ يُبنى على احتقار الآخرين إنما هو صعودٌ للهاوية.

التواضع يرفع صاحبه في القلوب قبل أن يرفعه في المجالس، أما التكبر فيعزل الإنسان داخل أسوارٍ من الغرور، حتى وإن أحاط به المديح أو المنصب أو المال.

فالناس قد تحترم القوة، لكنها لا تُحب المتعالي، وقد تُجامل صاحب النفوذ، لكنها لا تنسى تواضع صاحب الخلق.

وليس الكِبر دليل ثقةٍ بالنفس، بل قد يكون ستارًا يخفي ضعفًا داخليًا أو خوفًا من المقارنة.

أما الواثق حقًا، فلا يحتاج إلى التقليل من غيره ليشعر بقيمته، لأنه يدرك أن الرفعة الحقيقية تُبنى بالأخلاق والعلم والعمل، لا بالاستعلاء والتفاخر.

وقد علمتنا الحياة أن الأشجار المثمرة تنحني بحمل ثمارها، بينما تقف اليابسة منتصبة بلا نفع.

وكذلك الإنسان؛ كلما ازداد علمًا وحكمةً ونضجًا، ازداد تواضعًا ولينًا، وأدرك أن الناس جميعًا يستحقون الاحترام.

ومن يتأمل سير العظماء يجد أن ما خلّد أسماءهم لم يكن تكبرهم، بل تواضعهم وإنصافهم وحسن تعاملهم مع الآخرين.

فالمكانة الحقيقية لا تُفرض بالتعالي، وإنما تُكتسب بحسن الخلق وصدق المعاملة.

قال الله تعالى:

 

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا

سورة الإسراء: الآية 37

وفي ختام المعنى، فإن الكبرياء… صعودٌ نحو الهاوية ليس تناقضًا لفظيًا، بل حقيقةٌ سلوكية تنكشف مع الزمن.

فالمتكبر يظن أنه يرتفع، بينما هو في الحقيقة يسير صعودًا في ظاهره، لكنه في جوهره هبوطٌ متدرّج.

صعودٌ يقوده إلى سقوطٍ في أعين الناس، وسقوطٍ في القلوب، وسقوطٍ في القيم، وقد يمتد أثره إلى مكانته الاجتماعية وهيبته وثقة الناس به، فيضعف حضوره ويبهت أثره مهما بدا في الظاهر في موقع علوٍّ ومكانة.

وهكذا يتضح أن الكِبر ليس ارتفاعًا حقيقيًا، بل صعودٌ شكليٌّ يخفي تحته انحدارًا بشكل مرعبٍ جدًّا للهاوية، حتى تنكشف حقيقة ملامح وجه الكبر والتعالي.

الكِبر صعودٌ في الظاهر، لكنه في الباطن هبوطٌ للهاوية.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

زمن المصالح

في زمنٍ تتقاطع فيه المصالح وتتشابك كخيوط العنكبوت، يصبح “التصالح” مفهومًا يتأرجح بين الفضيلة والضرورة؛ فهو ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو موقف أخلاقي وذكاء وجودي. ​أولأ التصالح كفعل مقاومة ​في عالمٍ يدفع الناس نحو التنافس الشرس، يصبح التصالح مع الذات ومع الآخرين فعل مقاومة نبيل. و​التصالح مع الذات: هو أن تعرف حدودك وقيمك، فلا تبيع مبادئك في سوق المصالح المتقلبة و​التعفف عن الصراعات: هو أن…

كيف نعيد الثقة بعد الانكسار؟

العارضة – صحيفة صدى نيوز اس عبدالله شراحيلي ليست كل الجراح تُرى بالعين، فبعضها يسكن الأعماق ويترك في القلب ندوبًا لا يمحوها الزمن بسهولة. والانكسار حين يأتي من شخص منحناه الثقة، لا يسرق منا الطمأنينة فحسب، بل يجعلنا نتردد في منحها مرة أخرى. لكن الحياة لا تتوقف عند خيبة، ولا ينبغي أن يتحول ألم الأمس إلى سجنٍ لأيامنا القادمة. إن إعادة الثقة لا تعني نسيان ما…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

زمن المصالح

زمن المصالح

اليد الخفية

اليد الخفية

الجزائر – كندا.. تعاون ثنائي في قطاع المناجم

الجزائر – كندا.. تعاون ثنائي في قطاع المناجم

بمشاركة 44 ممثلاً للأندية.. الاتحاد السعودي لألعاب القوى يعقد جمعيته العمومية الرابعة 

بمشاركة 44 ممثلاً للأندية.. الاتحاد السعودي لألعاب القوى يعقد جمعيته العمومية الرابعة 

راشد ناصر آل علي: بطولتا تحت 16 عاماً وتحت 23 عاماً تمثلان حجر الأساس لمستقبل ألعاب القوى العربية

راشد ناصر آل علي: بطولتا تحت 16 عاماً وتحت 23 عاماً تمثلان حجر الأساس لمستقبل ألعاب القوى العربية

فضيلة الشيخ الدكتور خالد المهنا يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي

فضيلة الشيخ الدكتور خالد المهنا يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode