كرة القدم… بين نشوة الانتصار ومرارة الواقع: الجماهير تحتفل والقضايا تنتظر

بقلم : كمال فليج _ الجزائر 

في كل مرة تدور فيها عجلة المنافسات الكروية الكبرى، تتجه أنظار الملايين نحو المستطيل الأخضر، وتتعالى الهتافات في المدرجات والمقاهي والشوارع، حيث تمتزج مشاعر الفرح والحماس والانتماء. ولا شك أن كرة القدم أصبحت لغة عالمية قادرة على توحيد الشعوب وإسعاد الجماهير، لكنها في المقابل تطرح تساؤلات عميقة حول حدود تأثيرها في حياة المجتمعات.

فبينما تنشغل الجماهير بمتابعة المباريات وتحليل الأداء والنتائج، تبقى العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنتظر الحلول. وتتحول أخبار اللاعبين والمدربين إلى مادة يومية تستحوذ على اهتمام الرأي العام، في وقت تتراجع فيه النقاشات المتعلقة بالتنمية والبطالة والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.

إن المشكلة لا تكمن في كرة القدم ذاتها، فهي رياضة نبيلة ومصدر للمتعة والتقارب بين الشعوب، وإنما في تحويلها إلى أولوية تتقدم على قضايا أكثر أهمية وتأثيراً في حياة المواطنين. فحين يصبح الفوز في مباراة حدثاً يطغى على كل ما عداه، وحين تستغرق الجماهير في متابعة تفاصيل المنافسات إلى درجة نسيان همومها الحقيقية، يصبح من المشروع التساؤل حول طبيعة العلاقة بين الرياضة والوعي المجتمعي.

لقد أدركت العديد من الأنظمة السياسية ووسائل الإعلام عبر التاريخ القوة الهائلة للرياضة في التأثير على الرأي العام، فاستُخدمت أحياناً كوسيلة لصناعة الإجماع الشعبي أو لتخفيف الاحتقان الاجتماعي أو لصرف الأنظار عن الأزمات. ومع ذلك، فإن المسؤولية تبقى في نهاية المطاف مسؤولية المجتمع نفسه، ومدى قدرته على التمييز بين الترفيه المشروع والانشغال المفرط الذي قد يحجب الرؤية عن القضايا الأساسية.

إن الاحتفال بالانتصارات الرياضية حق مشروع، بل هو جزء من حاجة الإنسان إلى الفرح والأمل، لكن الأهم أن تبقى هذه الفرحة في إطارها الطبيعي، دون أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها أو إلى بديل عن الاهتمام بالشأن العام. فالأوطان لا تُبنى بالأهداف المسجلة في الملاعب فقط، بل تُبنى أيضاً بالوعي والعمل والإنتاج والمشاركة في صناعة المستقبل.

وبين نشوة الانتصار ومرارة الواقع، تبقى الحقيقة واضحة: الجماهير تحتفل، لكن القضايا الكبرى لا تزال تنتظر من يلتفت إليها ويعمل على معالجتها. فالتوازن بين الشغف الرياضي والوعي المجتمعي هو الضمانة الحقيقية لمجتمع يستمتع بالحياة دون أن يغفل عن مسؤولياته وتحدياته.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

الاتصال وفنون الإقناع سبب لنجاح المبادرات المجتمعية

بقلم غيداء الغامدي : مختصة في الإعلام والاتصال  في عالم يشهد تسارع في التغيرات العامة ، أصبحت المبادرات المجتمعية أحد أهم الوسائل التي تسهم في معالجة القضايا الاجتماعية وتعزيز المشاركة بالمجتمع، لكن نجاح هذه المبادرات لا يرتبط بالفكرة فقط ، بل بقدرتها على الوصول إلى الناس والتأثير بهم وهنا تبرز أهمية الاتصال والإقناع كعنصرين أساسيين في صناعة الأثر المطلوب  فالرسائل التي تقدمها المبادرات تحتاج إلى أن…

بين غصنٍ ونافذة.. قصة حب خضراء

بقلم : تهاني سعود الزهراني  من منزلي الصغير توجد غرفة لا تسكنها ابنتي فحسب، بل تسكنها الدهشة. هناك شباكٌ عريض، يطلّ على “سيدة الحديقة”.. شجرة المنجا العتيقة التي شاخت أغصانها وما شابَ عطاؤها تمتد اغصانها لتلامس زجاج الغرفة كأنها حارسة الاحلام والطفولة التي لا تكتفي بمنحنا الظلال بل تمنح درس في الحب والانتظار. تجلس صغيرتي أمام النافذة، كأنها في موعدٍ غرامي مع الأغصان. تراقب حبات المنجا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

حصول الإعلامية صالحة الحربي على درجة الماجستير التنفيذي في الإعلام الرقمي

حصول الإعلامية صالحة الحربي على درجة الماجستير التنفيذي في الإعلام الرقمي

جمعية الشوامخ الرياضية تكرّم صحيفة صدى نيوز إس تقديرًا لجهودها الإعلامية

جمعية الشوامخ الرياضية تكرّم صحيفة صدى نيوز إس تقديرًا لجهودها الإعلامية

معهد مارانجوني الرياض يطلق أول برنامج للمنح الدراسية لدعم الجيل القادم من المبدعين السعوديين

معهد مارانجوني الرياض يطلق أول برنامج للمنح الدراسية لدعم الجيل القادم من المبدعين السعوديين

الاتصال وفنون الإقناع سبب لنجاح المبادرات المجتمعية

الاتصال وفنون الإقناع سبب لنجاح المبادرات المجتمعية

الجمعية السعودية للفنون التشكيلية تدشن هويتها البصرية الجديدة وتعلن انطلاق مرحلة تطويرية جديدة

الجمعية السعودية للفنون التشكيلية تدشن هويتها البصرية الجديدة وتعلن انطلاق مرحلة تطويرية جديدة

«ترحال» يقيم حفله السنوي تحت شعار «عام من الأثر والذكريات»

«ترحال» يقيم حفله السنوي تحت شعار «عام من الأثر والذكريات»

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode