بقلم : تهاني سعود الزهراني
من منزلي الصغير توجد غرفة لا تسكنها ابنتي فحسب، بل تسكنها الدهشة. هناك شباكٌ عريض، يطلّ على “سيدة الحديقة”.. شجرة المنجا العتيقة التي شاخت أغصانها وما شابَ عطاؤها تمتد اغصانها لتلامس زجاج الغرفة كأنها حارسة الاحلام والطفولة التي لا تكتفي بمنحنا الظلال بل تمنح درس في الحب والانتظار.
تجلس صغيرتي أمام النافذة، كأنها في موعدٍ غرامي مع الأغصان. تراقب حبات المنجا وهي تولد من رحم الزهر، تتبعها بعينيها الصغيرتين وهي تكبر، تخضرّ، ثم تستوي لتسرّ الناظرين.
ليس في الدنيا حماسٌ يشبه حماس طفلة تنتظر نضج ثمرة. إنها لا تنتظر طعاماً، بل تنتظر “معجزة” تكتمل أمام عينيها. وحين تهبّ الريح، وتبدأ الأغصان برقصتها المهيبة، ويسقط الثمر.. هنا يبدأ العيد.
تلك الصرخة العفوية التي تطلقها ابنتي حين تسمع صوت “ارتطام” المنجا بالأرض، هي أجمل موسيقى تصويرية لحياتنا. تركض نحو الشرفة، تنادي بصوتها الملائكي خالها “محمد”: **”يا خالو.. المنجا طاحت!”**.
هذا التواصل بين براءة الطفولة في الأعلى، وشهامة الخال في الأسفل، هو ما يمنح بيتنا معناه. يجمع الخال الثمار من حوشه، ويصعد بها كأنه يحمل كنوز الأرض، لتبدأ ابنتي طقوس التلذذ بطعمٍ ليس كمثله طعم؛ لأنه طعم “الصبر” والامتنان.
أقفُ بعيداً، وأبتسم. أتذكر نفسي حين كنتُ في عمرها، أقف وأرقب شجرت منزلنا . لقد كانت رفيقتي في طفولتي، وها هي اليوم تضمّ ابنتي بأغصانها الحانيه ,الأشجار العتيقه تخبرنا ب ان الجمال الحقيقي هو مايستمر وينمو معنا .
أدركتُ حينها أن الأشجار ليست مجرد “أكسجين” وصحة نفسية، بل هي مخازن للذكريات. هي الرابط الذي يخبرنا أن الدنيا لا تزال بخير، وأن العطاء الصامت هو أرقى أنواع الحب.
اننا حينا نزرع شجرة لانغرس جذورا في الأرض فحسب,بل نغرس ذكريات في قلوبنا , كل الامتنان ل أشجار المنجا وعلى خال يسكن في الدور الأرضي ينتظر سقوط الفرح ليحمله الينا .
شكراً لشجرتنا العتيقة التي لم تملّ من حراسة طفولتنا. وشكراً للأقدار التي جعلت من غصن منجا جسراً يربط بين قلبي وقلب ابنتي، وبين شقاوة الصغر ووقار الكبر. إن السعادة يا ابنتي ليست في امتلاك الأشياء، بل في انتظار المنجا وهي تسقط، وفي خالٍ يلمّ الفرح من الأرض ليهديكِ إياه.






