عُمان… حين يتكلم القلب بصوت الوطن

بقلمٍ الكاتبةالعمانية – مزنة بنت سعيد البلوشية

ليست كل الحكايات تُروى بالأقلام، فبعضها يكتبه الناس بأيديهم البيضاء، وبقلوبٍ تعرف أن الخير حين يُزرع في أرض عُمان، يُثمر رحمةً لا تعرف المسافات.

ما حدث لم يكن مجرد حملةٍ اكتمل مبلغها، ولم يكن رقمًا أُغلق في سجل التبرعات، بل كان مشهدًا وطنيًا سيبقى شاهدًا على أصالة هذا الشعب، ودرسًا خالدًا في معنى التكاتف حين يجتمع الإنسان لأجل الإنسان.

لقد اجتمعت القلوب قبل الأيدي، وتسابقت الأرواح قبل الخطوات، حتى أصبح الدعاء أملًا، والأمل حقيقة. فلم يكن المتبرعون يعرفون صاحب الحالة جميعًا، لكنهم عرفوا أن خلف كل ابتسامة طفلٍ حلمًا يستحق أن يُحفظ، وخلف كل ألمٍ فرصةً لصنع الفرج.

من ظفار إلى صحم، ومن مسندم إلى الوسطى، ومن الباطنة إلى الشرقية والداخلية والظاهرة والبريمي ومسقط، ارتفعت أكفُّ العطاء، لا تسأل عن اسمٍ أو قبيلة، ولا عن مدينةٍ أو محافظة، لأن الانتماء الأكبر كان لعُمان… ولإنسانٍ يحتاج أن تمتد إليه يد الرحمة.

وحين أُعلن اكتمال المبلغ وإغلاق الحالة، لم يُغلق باب الخير، بل فُتح بابٌ جديد في ذاكرة الوطن، يُخبر الأجيال أن الشعب العُماني إذا نادى الواجب، حضر بقلبٍ واحد، وأن الإنسانية هنا ليست شعارًا يُرفع، بل خُلُقٌ يُمارس في أصعب اللحظات.

لقد أثبت العُمانيون أن قيمة الإنسان عندهم لا تُقاس بمكانه، بل بحقه في الحياة، وأن الأمل حين تتشارك القلوب في صناعته، يصبح أقوى من المرض، وأسرع من المسافات، وأقرب إلى رحمة الله.

ولعل أجمل ما تركته هذه المبادرة، أنها أعادت إلينا الإيمان بأن الخير لا يزال يسكن القلوب، وأن الوطن الحقيقي هو الذي يشعر فيه كل فرد أن خلفه شعبًا كاملًا، يسانده إذا تعثر، ويحتضنه إذا اشتد عليه الطريق.

سلامٌ على وطنٍ يرى في وجع إنسانٍ مسؤولية الجميع، وسلامٌ على شعبٍ أثبت أن التكافل ليس مناسبةً عابرة، بل هويةٌ متجذرة في النفوس، وإرثٌ تتناقله الأجيال بفخر واعتزاز.

نسأل الله أن يكتب الشفاء لكل مريض، وأن يجعل كل يدٍ ساهمت، وكل قلبٍ دعا، وكل روحٍ ساندت، في موازين حسناتهم، وأن يديم على عُمان نعمة الأمن والمحبة والتراحم.

فهكذا هي عُمان… إذا اجتمع أبناؤها، أصبح المستحيل ممكنًا، وصار العطاء لغةً، والرحمة عنوانًا، والوطن قلبًا واحدًا يخفق باسم الإنسانية.

عُمان… نبضٌ واحد، وقلبٌ لا يعرف إلا الخير.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

في فلسفة الأثر وتداول الأيام: “لا تزرع في دربي شوكًا”

ا. محمد باجعفر ​تختزل عبارة “لا تزرع في دربي شوكًا، لعلك غدًا تأتيني حافيًا” فلسفةً عميقة في فهم طبائع البشر وتقلبات الزمان. إنها ليست مجرد تحذير يكتسي بوشاح العتاب، بل هي مراجعة أخلاقية مبكرة تُقَدَّم لمن يغتر بلحظة القوة أو يتوهم دوام الحال؛ فالحياة في جوهرها حركة متصلة ودائرة لا تتوقف، وما يُغرس اليوم على حفاف الطرقات، سنعيد المرور عليه حتمًا؛ إما سائرين في طمأنينة، وإما…

شكرًا للأمير والإمارة في جازان

  محمد الرياني عرس وطني للشعر بأدبي جازان. يرعى الأمير ، يوجه الأمير ، يشتعل العمل قبل اشتعال القصائد ، ويخضر المكان ، ولا صوت سيعلو فوق صوت القصائد . هكذا يبدو المشهد بل المشاهد في جمعية أدبي جازان في ظل مهرجان شعري لا يُشاهد مثل عنفوانه وألقه وازدحام الشعر والمشاعر فيه . وفي جازان التي يتوالد فيها الشعر مع كل جيل ، وفي كل وقت…

لقد فاتك ذلك

جمعية رفيق النجاح تقيم فعالية بمناسبة اليوم العالمي للغة الاشارة

جمعية رفيق النجاح تقيم فعالية بمناسبة اليوم العالمي للغة الاشارة

في فلسفة الأثر وتداول الأيام: “لا تزرع في دربي شوكًا”

في فلسفة الأثر وتداول الأيام: “لا تزرع في دربي شوكًا”

شكرًا للأمير والإمارة في جازان

شكرًا للأمير والإمارة في جازان

أنموذج السماء وامتداد الأرض

أنموذج السماء وامتداد الأرض

«ابتكارات مساعي» يختتم رحلته بتمكين المبتكرات وتحويل الأفكار إلى نماذج أولية

«ابتكارات مساعي» يختتم رحلته بتمكين المبتكرات وتحويل الأفكار إلى نماذج أولية

جمعية عروى تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96 بفعاليات مجتمعية متنوعة

جمعية عروى تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96 بفعاليات مجتمعية متنوعة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode