بقلم -فوزية الوثلان
ليس كل صمتٍ عجزًا عن الكلام، ولا كل متحدثٍ يملك الحقيقة. فهناك صمتٌ يولد من الحكمة، وصمتٌ تصنعه راحة النفس، وصمتٌ يختاره الإنسان عندما يدرك أن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها.
د
ما أجمل الصمت عندما يكون رفيقًا للطمأنينة، لا سجينًا للخوف. فهو الملاذ الذي نلجأ إليه عندما نكتشف أن الكلمات لم تعد قادرة على تغيير القلوب أو إقناع العقول. نصمت لأننا نؤمن أن لكل كلمة موضعًا، وأن إهدارها في غير مكانها لا يزيد إلا تعبًا.
نلجأ إلى الصمت عندما لا نريد أن ننزل إلى مستوى المسيء أو المخادع، فليس كل استفزاز يستحق ردًا، وليس كل اتهام يستحق دفاعًا. فكرامة الإنسان أسمى من أن تُستهلك في جدالٍ عقيم أو خصومةٍ لا ثمرة منها.
ونلجأ إلى الصمت أيضًا عندما يتقوى الظالم بسلطته، فلا ينفع معه دليل ولا حجة، ولا يبحث عن حقٍ أو عدل. عندها نرفع أكفنا إلى السماء، ونجعل الدعاء سلاحنا، ونوقن أن عدالة الله لا تغيب، وأن الحقوق وإن تأخرت فلن تضيع عند من لا تضيع عنده الودائع.
إن هذا الصمت ليس ضعفًا ولا استسلامًا، بل هو انسحابٌ راقٍ من دائرة الأذى، واختيارٌ واعٍ لحماية النفس من استنزاف المشاعر والعقل. إنه قوةٌ هادئة تمنح الإنسان القدرة على تجاوز ما لا يستحق أن يشغل قلبه.
وأحيانًا نقف صامتين، نتأمل الآخرين وهم يتصارعون على توافه الأمور، فيرتفع صوت الخصام بينما تغيب الحكمة. عندها نحمد الله على نعمة السكينة، ونشعر بقيمة الطمأنينة التي يمنحها لنا الصمت، فهو ليس فراغًا، بل مساحة تمتلئ بالسلام الداخلي، ومراجعة الذات، والثقة بأن الزمن كفيل بكشف الحقائق.
فليكن صمتنا اختيارًا نابعًا من قوة، لا هروبًا من مواجهة. وليكن عنوانًا للحكمة حين يصبح الكلام بلا جدوى. فكم من صمتٍ حفظ كرامة، وأطفأ فتنة، وصان قلبًا من الندم، وكان أبلغ أثرًا من آلاف الكلمات







