بقلم أ. غميص الظهيري
كانت الإجازة فيما مضى فرصة ينتظرها الجميع بعد عامٍ دراسي طويل أو أشهرٍ من العمل المتواصل. كانت أيامها تُخصص للترويح عن النفس، فيصطحب الأب أسرته وأبناءه لزيارة الأماكن السياحية، أو السفر، أو زيارة الأهل والأقارب، فتجتمع المتعة بصلة الرحم، وتُصنع أجمل الذكريات التي تبقى في نفوس الأبناء سنوات طويلة.
أما اليوم، فقد تغيّر مفهوم الإجازة لدى كثير من الأسر، وأصبحت في الغالب موسمًا لحفلات الزواج. فنجد الأب يقضي معظم أيام الإجازة متنقلًا من قصر أفراح إلى آخر لتلبية الدعوات وأداء الواجبات الاجتماعية، بينما يبقى الأبناء في المنزل، أو يرافقون والدهم في تنقلات متكررة لا يجدون فيها ما كانوا يحلمون به من متعة الإجازة. وسرعان ما تنتهي الإجازة، ويعود الأبناء إلى مقاعد الدراسة وهم يشعرون أنها مرت دون أن يحققوا ما كانوا يتطلعون إليه.
ولا شك أن حضور مناسبات الزواج ومشاركة الأقارب والأصدقاء أفراحهم من القيم الاجتماعية الأصيلة التي نعتز بها، لكن المشكلة ليست في حضور المناسبات، وإنما في حصر أغلب حفلات الزواج خلال الإجازات، حتى أصبحت الإجازة موسماً للالتزامات أكثر منها موسمًا للراحة والترفيه.
وفي الماضي، كانت حفلات الزواج تُقام على مدار العام، ولم تكن مرتبطة بالإجازات، لذلك كانت الأسرة تجد متسعًا للاستمتاع بإجازتها دون أن تتعارض مع واجباتها الاجتماعية. أما اليوم، فإن تكدس المناسبات في فترة قصيرة يحرم كثيرًا من الأسر، وخاصة الأبناء، من حقهم في الاستفادة الحقيقية من الإجازة.
ولعل من المناسب إعادة النظر في هذه العادة، من خلال تشجيع توزيع حفلات الزواج على مدار العام، وعدم حصرها في الإجازات الرسمية، إلى جانب تقليل تعدد المناسبات المصاحبة للزواج والاكتفاء بحفل واحد، مما يخفف الضغط على الأسر والمدعوين. كما أن من الجميل أن تضع كل أسرة برنامجًا متوازنًا لإجازتها، تخصص فيه أيامًا للواجبات الاجتماعية، وأيامًا أخرى للسفر أو التنزه أو ممارسة الأنشطة التي تجمع أفراد الأسرة وتصنع لهم ذكريات لا تُنسى.
فالإجازة ليست مجرد توقف عن الدراسة أو العمل، بل هي فرصة لتجديد النشاط، وتعزيز الروابط الأسرية، وصناعة لحظات تبقى في الذاكرة. والتوازن بين الواجب الاجتماعي وحق الأسرة في الاستمتاع بإجازتها هو الحل الذي يحقق الجميع، حتى لا تنتهي الإجازة وقد امتلأت دفاتر المناسبات، بينما بقيت ذاكرة الأبناء خالية من أجمل ما كانوا ينتظرونه طوال العام.
فليتنا نستعيد ذلك التوازن الجميل، فتعود حفلات الزواج موزعة على مدار العام، وتعود الإجازة إلى معناها الحقيقي؛ وقتًا للراحة، وصناعة الذكريات، والاستمتاع بالحياة مع الأسرة، دون أن يكون ذلك على حساب واجباتنا الاجتماعية أو صلة أرحامنا.








