أسرارٌ بين وحي القلم ونبضه

✍️ عبدالله شراحيلي 

ليس كلُّ قلمٍ يكتب، ولا كلُّ حبرٍ يترك أثرًا. فثمّة أقلامٌ تنقل الأخبار، وأخرى تنقل المشاعر، لكن القليل منها يوقظ في النفس ما ظنناه قد مات، ويعيد إلى القلب نبضه، وإلى الروح دهشتها الأولى. هناك، في تلك المساحة الخفية التي لا تراها العيون، تولد الأسرار بين وحي القلم ونبضه.

إن وحي القلم ليس فكرةً تهبط على الكاتب فحسب، بل هو لحظة صفاءٍ تتصالح فيها الروح مع ذاتها، فتتدفق الكلمات كما يتدفق النبع من أعماق الجبل، لا يستأذن أحدًا، ولا ينتظر تصفيقًا. أما نبض القلم فهو ذلك الإحساس الصادق الذي يجعل للحرف حرارةً، وللكلمة روحًا، وللنص حياةً تتجاوز حدود الورق.

وحين يجتمع الوحي بالنبض، لا يعود القلم قطعةً من خشبٍ أو معدن، بل يصبح قلبًا يخفق بالحروف، وعينًا ترى ما لا يراه الآخرون، ولسانًا ينطق بما تعجز عنه الشفاه. يكتب الفرح فيزهر في القلوب، ويكتب الحزن فيغدو أكثر احتمالًا، ويكتب الأمل فتتسع أمام الإنسان دروب الحياة.

ولعل أعظم أسرار الكتابة أن الكلمات الصادقة لا تشيخ. فقد يمضي أصحابها، وتبقى حروفهم تمشي بين الناس كما تمشي الروائح الزكية في البساتين؛ لا يُرى أثرها، لكن حضورها يملأ المكان. ولذلك كانت الكلمة أمانة، لأن ما يخرج من القلب لا يقف عند حدود السمع، بل يستقر في القلوب الأخرى، فيصنع فيها أثرًا قد يمتد سنوات طويلة.

إن الكاتب الحقيقي لا يكتب ليملأ الصفحات، بل ليملأ فراغًا في روح قارئٍ لا يعرفه. يكتب ليضيء زاويةً أظلمها اليأس، أو يربت على قلبٍ. أثقلته الحياة، أو يوقظ حلمًا كاد يذبل تحت ركام الأيام. وهكذا تتحول الحروف إلى رسائل رحمة، وتغدو المقالات جسورًا تعبر عليها الأرواح إلى ضفاف الطمأنينة.

وليس أجمل من قلمٍ بقي وفيًّا للحقيقة، ولا أنبل من كلمةٍ خرجت من ضميرٍ حيّ. فالأدب لا يُقاس بزخرفة الألفاظ، وإنما بصدق المعنى، ونقاء المقصد، وعمق الأثر. وما أكثر الكلمات التي تُقرأ ثم تُنسى، وما أقل الكلمات التي تسكن القلب حتى تصبح جزءًا من ذاكرته.

تلك هي الأسرار التي لا تُكتب بالحبر وحده، بل تُكتب بدم القلب، وبصبر التجربة، وبنور الإيمان، وبصدق الإنسان مع نفسه. فإذا كان للحروف وطن، فإن القلوب الصادقة هي وطنها الأول، وإذا كان للأقلام رسالة، فإن أجمل رسائلها أن تزرع في النفس خيرًا، وفي العقل نورًا، وفي الحياة أملًا.

ويبقى القلم، مهما تغيّرت الأزمنة، شاهدًا على أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن بين وحيه ونبضه أسرارًا لا يعرفها إلا من جعل من الأدب رسالة، ومن الحرف حياة، ومن الصدق طريقًا لا يحيد عنه.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

واقع الإعلام الرياضي

عبدالله الميمان بين الوعي المهني وصناعة التعصب تتأرجح بعض البرامج الرياضية في منطقة رمادية بين دورين يصعب الفصل بينهما تماماً: دور الإعلام، المفترض فيه الحياد والتحليل الموضوعي، ودور التشجيع صانع الحماس وباني الانتماء، وذلك في ظل غياب المعايير المهنية الحقيقية. وهذا توصيف لحالات قائمة، لا تعميم على المشهد كله. وكثيراً ما يرتدي بعض الضيوف الإعلاميين عباءة المشجع المتحمس لجمهور فريقه؛ فيكيل المديح ويعظّم إنجازات ناديه، وإن…

شجرة الضياء وبدرُ جازان في سماء الكلمة ليلة استثنائية مع الشاعر /حسن الصلهبي

بقلم /محمد باجعفر ​ليلة من ليالي العمر الثقافية، تلك التي تنفّس فيها المكان عطراً، واهتزّ لها وجدان الحاضرين طرباً واعتزازاً. فبين رقة النسيم وسحر الحرف، أشرق ليلة البارحة بدرٌ آخر في سماء جازان الأدبية، ليؤكد مجدداً أن هذه الأرض المعطاءة لا تُنبت إلا الإبداع والأصالة. وحين يكون الفارس المنتظر هو الأستاذ الصديق والأخ الأقرب حسن أحمد الصلهبي، فإن الحضور يتجاوز حدود الاستماع التقليدي، ليصبح تظاهرة وجدانية…

لقد فاتك ذلك

الشاشات تسرق طفولتهم.. والعائلة تدفع الثمن

الشاشات تسرق طفولتهم.. والعائلة تدفع الثمن

واقع الإعلام الرياضي

واقع الإعلام الرياضي

شجرة الضياء وبدرُ جازان في سماء الكلمة ليلة استثنائية مع الشاعر /حسن الصلهبي

شجرة الضياء وبدرُ جازان في سماء الكلمة ليلة استثنائية مع الشاعر /حسن الصلهبي

هكذا تكون الرموز..في القلوب

هكذا تكون الرموز..في القلوب

«خطوة وصحة».. المتقاعدون في جازان يجتمعون على الرياضة والفرح .. فعاليات رياضية متنوعة تعزز الصحة وتوطد أواصر المحبة .

«خطوة وصحة».. المتقاعدون في جازان يجتمعون على الرياضة والفرح .. فعاليات رياضية متنوعة تعزز الصحة وتوطد أواصر المحبة .

مكتب المتقاعدين بمحافظة أبوعريش يشارك في برنامج «خطوة وصحة»

مكتب المتقاعدين بمحافظة أبوعريش يشارك في برنامج «خطوة وصحة»

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode