بقلم د/ معدي حسين علي آل حيه
اخترت لكم الكتابة في موضوع يهم الآباء والمربين، انطلاقًا من خبرتي العملية موجهًا طلابيًا لما يقارب (29) عامًا، حيث لمست عن قرب كثيرًا من القضايا التربوية التي تؤثر في بناء الأبناء والطلاب، ورأيت أن من واجبي المهني والتربوي تسليط الضوء عليها، وتقديم ما يعين الأسرة والمربين على أداء رسالتهم التربوية على الوجه الأمثل.
يؤدي المربي رسالة عظيمة تتمثل في غرس الإيمان، وتعزيز الأخلاق، وترسيخ القيم في نفوس الأبناء والطلاب، غير أن بعض المربين قد يقعون – دون قصد – في خطأ تربوي يقلل من أثرهم، ويتمثل في أن يصبحوا هم محور اللقاء، فينشغل المتربون بشخصية المربي وقصصه أكثر من انشغالهم بالمبادئ والقيم التي يسعى إلى غرسها.
ولا يعني ذلك أن يمتنع المربي عن ذكر شيء من تجاربه الشخصية، فالتجارب الواقعية من أنجح وسائل التأثير إذا جاءت في موضعها المناسب، وكانت خادمة للفكرة، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المجالس التربوية إلى سرد دائم للإنجازات والمواقف الشخصية، حتى تصبح شخصية المربي هي الرسالة، بدلاً من أن تكون وسيلة لإيصالها.
ومن أبرز صور تمجيد الذات في العمل التربوي كثرة الحديث عن الإنجازات الشخصية، وربط كل موضوع بتجربة خاصة، والاستحواذ على الحديث دون إتاحة مساحة كافية للمتربين للمشاركة، إلى جانب الإكثار من الحديث عن الاهتمامات والتفاصيل الشخصية، أو انتظار كلمات الثناء والإعجاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وقد تظهر هذه الآفة بصور أكثر خفاءً، مثل إشعار الطلاب بأن نجاحهم مرتبط بالمربي وحده، أو استخدام عبارات التواضع التي تنتهي بمدح النفس، أو التذكير المستمر بالتضحيات المبذولة من أجلهم، أو التقليل من جهود الآخرين لإبراز الذات، أو تقديم التجربة الشخصية على أنها المنهج الوحيد الصحيح، أو إظهار النفس بصورة الإنسان الذي بلغ الكمال ولم يعد يخطئ.
وتنعكس هذه الممارسات سلبًا على العملية التربوية؛ إذ يتحول اهتمام المتربين إلى شخصية المربي بدلاً من المبادئ التي يدعو إليها، وتضعف فرص الحوار والمشاركة، ويفقد اللقاء عنصر التشويق بسبب تكرار القصص، كما يزداد تعلق المتربين بالأشخاص بدلاً من تعلقهم بالقيم، وقد يقع المربي – وهو لا يشعر – في العجب وحب الظهور، وهما من أخطر الآفات التي تفسد العمل التربوي، فضلاً عن أن هذا الأسلوب قد ينفر بعض الطلاب ويضعف دافعيتهم.
أما المربي الناجح، فهو الذي يجعل المتربي محور اللقاء، فيكثر من طرح الأسئلة، ويجيد الإنصات، ويشجع طلابه على الحوار والمشاركة، ويحتفي بإنجازاتهم، ويساعدهم على اكتشاف الحقائق بأنفسهم. وإذا احتاج إلى الاستشهاد بتجربة شخصية، فإنه يذكرها بقدر الحاجة، ثم يعود سريعًا إلى الفكرة الأساسية، حتى لا يطغى المثال على المعنى، ولا الوسيلة على الغاية.
وتبقى القاعدة التربوية الذهبية: ليس الممنوع أن يتحدث المربي عن نفسه، وإنما الممنوع أن تصبح نفسه هي الرسالة. فنجاح المربي الحقيقي يقاس بما يغرسه في نفوس طلابه من قيم ومبادئ، لا بما يرويه عن نفسه من مواقف وإنجازات.









