كتب حمد دقدقي
ليست الحياة امتحانًا في صفاء الريح، بل في مهارة الإبحار. فمنذ أن عرف الإنسان البحر، أدرك أن الأمواج لا تستأذن، وأن الرياح لا تقرأ خرائط الرغبات، وأن الأفق لا يمنح أسراره لمن يقف على الشاطئ مكتوف الأمنيات. لذلك لم يكن السؤال يومًا: إلى أين تهب الريح؟ بل: كيف نمضي إليها دون أن نفقد بوصلتنا؟
يقال إن المتشائم يشكو من اتجاه الريح، والمتفائل ينتظر أن تتبدل، أما الحكيم فيعدّل أشرعته. وفي هذه الكلمات تختبئ فلسفة كاملة للحياة؛ فلسفة لا تقيس الإنسان بما يملكه من ظروف مواتية، بل بما يملكه من قدرة على إعادة تشكيل قدره كلما تبدلت الملامح من حوله.
فالمتشائم يعيش أسير الخارج؛ يحمّل الفصول مسؤولية ذبول أحلامه، ويبحث في السماء عن مبررات تعثره، حتى يغدو الزمن كله خصمًا، والواقع كله مؤامرة. أما المتفائل، فعلى الرغم من إشراق روحه، فإنه قد يقع في غواية الانتظار، كمن يراقب الغيم متمنيًا أن تمطر السماء حلولًا، بينما تبقى الأرض عطشى لأنها لم تمتد إليها يدٌ تحرثها.
غير أن الحكيم يدرك أن الكون لا يعيد ترتيب نفسه من أجل أحد، وأن الحياة لا تمنح امتيازاتها لمن يجيد الشكوى أو يحسن التمني، بل لمن يتقن فن التكيف. إنه يعرف أن الرياح ليست عدوًا، وإنما طاقة عمياء، وأن السفينة لا تصل لأنها وجدت بحرًا هادئًا، وإنما لأنها وجدت ربانًا يعرف متى يشد الحبال، ومتى يرخيها، ومتى يغيّر وجهته دون أن يغيّر رسالته.
وهكذا تبدو الحكمة فعلًا لا فكرة، وحركة لا شعارًا. إنها القدرة على تحويل المحنة إلى معرفة، والانكسار إلى صلابة، والمنعطفات إلى دروس. فكم من باب أغلق ليقود صاحبه إلى أفق أرحب، وكم من خسارة بدت في لحظتها نهاية، ثم اكتشف الزمن أنها كانت بداية أكثر اتساعًا ونضجًا.
إن التاريخ لم يخلّد أولئك الذين انتظروا الظروف المثالية، لأن الظروف المثالية نادرة كواحة في صحراء لا تنتهي. وإنما خلد الذين صنعوا من النقص اكتمالًا، ومن العتمة مصباحًا، ومن الرياح المعاكسة قوة دفعت سفنهم إلى اكتشاف قارات جديدة. فالحضارات لم تنهض حين هدأت العواصف، بل حين تعلم الإنسان أن يحوّل العاصفة نفسها إلى معلم يرشده.
ولعل أعظم ما يملكه الإنسان ليس القدرة على السيطرة على العالم، وإنما القدرة على السيطرة على استجابته للعالم. ففي داخل كل إنسان بحر آخر؛ بحر من الأفكار، والمخاوف، والرغبات، والإرادة. فإذا اضطرب البحر الداخلي، فلن تنفعه هدوءات الخارج، وإذا استقرت النفس، فلن تخيفها العواصف مهما اشتد هديرها.
إن المرونة ليست تنازلًا عن المبادئ، وإنما ذكاء في الوسائل. وليست استسلامًا للواقع، وإنما فهم عميق لقوانينه. فالأغصان التي تنجو من العاصفة ليست الأكثر صلابة، بل الأكثر قدرة على الانحناء دون أن تنكسر، وكذلك الأمم، وكذلك المؤسسات، وكذلك الأفراد؛ فالبقاء ليس للأقوى، بل للأقدر على التكيف مع التحولات.
وفي زمن تتبدل فيه الموازين بسرعة غير مسبوقة، يصبح تعديل الأشرعة أكثر أهمية من انتظار تبدل الرياح. فالمستقبل لا يفتح أبوابه للمترددين، ولا يكافئ الواقفين عند أطلال الفرص الضائعة، وإنما يفسح الطريق لأولئك الذين يملكون شجاعة المراجعة، وجرأة التغيير، وإيمانًا بأن كل ريح تحمل في أعماقها احتمالًا جديدًا للوصول.
وفي نهاية الرحلة، لن يسألنا الزمن كم مرة عاكستنا الرياح، بل كم مرة امتلكنا شجاعة إعادة نصب الأشرعة. فالحياة لا تُقاس بعدد العواصف التي مررنا بها، بل بعدد المرافئ التي بلغناها رغمها. وما بين الريح والبحر، يبقى الإنسان هو القرار الأخير؛ فإذا صلحت إرادته، صار كل اتجاه طريقًا، وكل عاصفة درسًا، وكل أفق وعدًا جديدًا بالحياة









