بقلم أ. غميص الظهيري
تشهد المملكة العربية السعودية رعاها الله نهضة تنموية غير مسبوقة في مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاع السياحة، الذي أصبح أحد أهم مرتكزات رؤية المملكة 2030. وقد نجحت المملكة في ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية عالمية، مستفيدةً من تنوعها الجغرافي، وثرائها الطبيعي، وإرثها الحضاري، حتى باتت تنافس كبرى الدول المتقدمة في صناعة السياحة، بفضل ما تقدمه من مشاريع نوعية وخدمات متطورة وتجارب سياحية استثنائية.
ومن بين أجمل الوجهات التي حباها الله بجمال الطبيعة وروعة المناخ، تبرز منطقة الشفا بمحافظة الطائف، بما تمتلكه من جبال شامخة، وأودية خلابة، وأشجار كثيفة، وضباب وأمطار موسمية، وأجواء معتدلة تجعلها مقصدًا لآلاف الزوار والمصطافين من داخل المملكة وخارجها.
ورغم هذه المقومات الفريدة، فإن الشفا ما زالت تمتلك فرصًا كبيرة للتطوير، بما يجعلها واحدة من أبرز الوجهات السياحية الجبلية في العالم، ويحقق مستهدفات رؤية المملكة في تنويع الاقتصاد وتعزيز جودة الحياة.
من هذا المنطلق، أقترح تبني مشروع وطني طموح يقوم على تحويل طريق الشفا بالكامل إلى حديقة جبلية مفتوحة، تمتد من بداية الطريق حتى نهايته، بحيث تصبح الرحلة نفسها تجربة سياحية متكاملة، لا مجرد طريق يؤدي إلى وجهة.
وتقوم الفكرة على استثمار المواقع المناسبة على جانبي الطريق، من خلال فتح مداخل وطرق فرعية آمنة تؤدي إلى الإطلالات الطبيعية، مع المحافظة على البيئة والغطاء النباتي، وإنشاء مواقف سيارات موزعة على امتداد الطريق لتخفيف الازدحام، خاصة في مواسم الصيف وأوقات الذروة.
كما يمكن إنشاء جلسات ومظلات عائلية مع دورة مياه بتصاميم جمالية متناسقة مع طبيعة المكان، موزعة على مسافات مدروسة، بحيث تضم كل جلسة طاولة ومقاعد، وموقعًا مخصصًا للشواء وفق اشتراطات السلامة، وإنارة تعمل بالطاقة الشمسية، وحاويات ذكية لفرز النفايات، بما يضمن نظافة المكان واستدامته.
ومن الضروري إنشاء دورات مياه حديثة ونظيفة، ومصليات ومساجد تبقى مفتوحة على مدار الساعة، مع توفير خدمات الصيانة والنظافة المستمرة، لتلبية احتياجات الزوار على امتداد الطريق.
ولأن جمال الشفا يكمن في طبيعتها، فإن المحافظة عليها يجب أن تكون جزءًا من مشروع التطوير، وذلك من خلال تنظيف الأشجار من الأغصان السفلية حتى ارتفاع يقارب مترين، بما يسمح للعائلات بالجلوس في ظلالها والاستمتاع بها، مع إزالة الأعشاب الجافة والنباتات الضارة والمخلفات التي تشوه المنظر العام أو قد تشكل خطرًا أثناء موسم الصيف.
كما أقترح إنشاء خزانات صغيرة لتجميع المياه في مواقع متفرقة، بحيث يستطيع الزوار تفريغ ما يتبقى لديهم من مياه صالحة للشرب فيها، لتستخدم في ري الأشجار والمحافظة على الغطاء النباتي، وهي مبادرة بسيطة تعزز ثقافة الاستدامة، وترسخ مفهوم المسؤولية المجتمعية تجاه البيئة.
ولإثراء تجربة الزائر، يمكن إنشاء منصات مشاهدة مرتفعة تطل على الأودية والجبال، ومسارات مخصصة للمشي ورياضة الهايكنج والدراجات الجبلية، مع توفير وسائل السلامة واللوحات الإرشادية، إضافة إلى مناطق ألعاب للأطفال، وأكشاك موحدة التصميم لبيع الورد الطائفي والعسل والفواكه الموسمية والقهوة السعودية ومنتجات الأسر المنتجة، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
كما يمكن توفير عربات كهربائية صديقة للبيئة للتنقل بين مواقع الإطلالات، مع شبكة إنترنت لاسلكية مجانية، ونقاط للإسعافات الأولية، ودوريات أمنية وسياحية، وكاميرات مراقبة، ولوحات إرشادية ذكية تخدم الزوار على مدار الساعة.
ومن المبادرات التي ستحدث نقلة نوعية في تجربة الزائر، إنشاء دليل سياحي إلكتروني ذكي لمحافظة الطائف، يُربط بلوحات تعريفية توضع على امتداد طريق الشفا وفي جميع المواقع السياحية، بحيث تحتوي كل لوحة على رمز استجابة سريع (QR Code)، يمكّن الزائر من الوصول مباشرة إلى منصة رقمية متكاملة عبر هاتفه المحمول.
ويتضمن هذا الدليل جميع الوجهات السياحية والتراثية والترفيهية في محافظة الطائف، بما في ذلك الجبال، والأودية، والمنتزهات، والحدائق، والمواقع التاريخية، والمتاحف، والمزارع، والأسواق الشعبية، والمطاعم والمقاهي، والفنادق والشقق الفندقية، إلى جانب الفعاليات والمهرجانات الموسمية، مع عرض نبذة تعريفية عن كل موقع، وساعات العمل، والخدمات المتوفرة، والصور، ومقاطع الفيديو، وآراء الزوار، وأفضل أوقات الزيارة.
كما يتضمن الدليل خاصية الملاحة الذكية، بحيث يستطيع الزائر الانتقال مباشرة إلى أي وجهة عبر تطبيقات الخرائط، مع عرض المسافة والوقت المتوقع للوصول، واقتراح مسارات سياحية متنوعة، مثل: مسار الطبيعة، ومسار التراث، ومسار العائلات، ومسار المغامرات، ومسار المطاعم والمقاهي.
ولزيادة ثراء التجربة، يمكن أن تحمل كل إطلالة، ووادٍ، ومنتزه، وموقع تراثي لوحة حجرية أنيقة تحمل اسم الموقع ورمز (QR Code)، بحيث يستطيع الزائر التعرف على قصة المكان، وأصل تسميته، وتاريخه، وصور قديمة وحديثة له، والنباتات والطيور التي تعيش فيه، وارتفاعه عن سطح البحر، ودرجة الحرارة الحالية، وأقرب الخدمات والمرافق، مع إمكانية الانتقال مباشرة إلى الوجهة التالية ضمن المسار السياحي.
كما يمكن تزويد المنصة بخاصية التنبيهات الفورية، لإبلاغ الزائر بحالة الطقس، وفرص هطول الأمطار، ومواعيد الفعاليات، ومستوى الازدحام، وأقرب المساجد، ودورات المياه، ومحطات الوقود، ومراكز الإسعاف، بما يجعل الرحلة أكثر راحة وأمانًا.
إن هذه المقترحات لا تهدف إلى تغيير طبيعة الشفا، بل إلى إبراز جمالها والمحافظة عليها، وتحويلها إلى وجهة سياحية عالمية تجمع بين سحر الطبيعة وجودة الخدمات، وفق أعلى معايير الاستدامة البيئية.
فالشفا ليست مجرد طريق جبلي أو متنزه موسمي، بل هي ثروة وطنية تستحق أن تُستثمر بأفضل صورة، لتصبح أكبر حديقة جبلية مفتوحة ومدينة سياحية ذكية في المملكة، وواحدة من أجمل الوجهات السياحية في الشرق الأوسط.
وإذا تحققت هذه الرؤية، فستتحول الشفا إلى نموذج عالمي للسياحة الجبلية المستدامة، وواجهة مشرقة تعكس ما وصلت إليه المملكة العربية السعودية من تقدم وازدهار، وتجسد طموحات رؤية المملكة 2030 في بناء صناعة سياحية تنافس العالم، وتقدم تجربة استثنائية للزائر، تجمع بين جمال الطبيعة، وجودة الخدمات، والتقنيات الذكية، والمحافظة على البيئة، لتبقى الشفا درةً سياحيةً تتوارثها الأجيال، ومصدر فخر لكل مواطن، ووجهة لا تُنسى لكل سائح.







