بقلم: أحمد علي بكري
في شمال المملكة العربية السعودية، بالقرب من سكاكا في منطقة الجوف، يقف موقع أثري استثنائي يعرف باسم «موقع الجمل»، ويضم منحوتات صخرية بارزة بالحجم الطبيعي تقريباً، تصور الجمال وحيوانات أخرى، وقد نُفذت بأسلوب النحت البارز الذي يتطلب إزالة أجزاء واسعة من سطح الصخر لإظهار هيئة الحيوان بصورة مجسمة. وكان الاعتقاد الأولي أن هذه المنحوتات قد تعود إلى العصر النبطي، بسبب التشابه الفني مع بعض المنحوتات المعروفة في شمال الجزيرة العربية، إلا أن الدراسات الأثرية والعلمية أعادت تأريخها إلى العصر الحجري الحديث، أي قبل نحو سبعة إلى ثمانية آلاف عام، لتصبح من أقدم المنحوتات الحيوانية الكبيرة المعروفة حتى الآن.
وتكمن أهمية الموقع في أن هذه الأعمال نفذت قبل انتشار الأدوات المعدنية، إذ تشير آثار النحت إلى استخدام أدوات حجرية، وهو ما يكشف عن مهارة تقنية وفنية لافتة لدى الإنسان الذي عاش في المنطقة في تلك الحقبة. كما أن تنفيذ منحوتات بهذا الحجم والدقة لم يكن عملاً عابراً، بل تطلب اختيار الصخور المناسبة والتخطيط للشكل وإزالة طبقات من الحجر ثم إعادة تشكيل التفاصيل، وربما إعادة العمل على بعض المنحوتات في فترات لاحقة.
ولم يعتمد الباحثون في تحديد عمر الموقع على وسيلة واحدة، إذ جمعوا بين دراسة آثار الأدوات، وتحليل التعرية والتجوية، وفحص الطلاء الصحراوي المتكون على الأسطح الصخرية، واستخدام تقنيات مثل التحليل بالأشعة السينية الفلورية المحمولة والتأريخ بالتوهج المحفز ضوئياً، إلى جانب التنقيب عن الأدوات الحجرية وبقايا الحيوانات وتأريخ بعضها بالكربون المشع. وقد ساعد تضافر هذه الأدلة على وضع المنحوتات في إطار العصر الحجري الحديث، مع الإشارة إلى أن بعض اللقى الحيوانية المؤرخة بالكربون المشع تعود إلى الألف السادس قبل الميلاد.
وتفتح المنحوتات سؤالاً مهماً حول علاقة الإنسان القديم بالجمل. فوجود الجمل في الفن الصخري لا يثبت وحده أن الحيوان كان مدجناً أو مستخدماً في النقل في ذلك الزمن، وإنما يؤكد أن الإنسان كان يعرفه ويستطيع تمثيله فنياً، وربما كان له حضور مهم في البيئة أو المخيلة الرمزية للمجتمع آنذاك. كما أن وظيفة المنحوتات نفسها لا تزال موضع بحث؛ فقد تكون مرتبطة بالرمزية أو الهوية أو المكان أو الموارد الطبيعية، ولا توجد أدلة كافية للجزم بوظيفة واحدة محددة.
وتكتسب هذه الأعمال أهمية أكبر عند وضعها في سياق البيئة القديمة للجزيرة العربية؛ فالمناخ في أجزاء واسعة منها كان أكثر رطوبة خلال فترات من عصور ما قبل التاريخ، ووجدت المياه والنباتات والحيوانات في مناطق أصبحت اليوم أكثر جفافاً. ولذلك فإن موقع الجمل لا يمثل سجلاً فنياً فحسب، بل يقدم شاهداً على عالم بيئي وإنساني مختلف عاش فيه الإنسان وتحرك بين موارد الماء والحيوان والصخر.
ولا تكشف المنحوتات لنا أسماء أصحابها أو انتماءاتهم، ولا يصح نسبتها إلى قبيلة أو جماعة بعينها دون دليل أثري مباشر، لكنها تكشف بوضوح عن جماعات بشرية امتلكت مهارات فنية وتقنية متقدمة، وقدرة على التخطيط والعمل المنظم، وتركت على الصخور أثراً بقي آلاف السنين.
إن منحوتات الجمال في صحراء الجوف ليست مجرد صور لحيوانات نُحتت في الصخور، بل هي وثيقة صامتة عن الإنسان القديم في الجزيرة العربية، وعن قدرته على الإبداع والتعبير والتكيف مع بيئته. وهي تذكير بأن الصحراء التي تبدو اليوم قاحلة وساكنة كانت في عصور سابقة مسرحاً لحياة بشرية نشطة، وأن تحت صخورها ورمالها تاريخاً عميقاً لم يُكشف منه إلا جزء يسير.





