بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه
بحكم عملي موجهًا طلابيًا، اخترت لكم الكتابة في موضوع يهم الآباء والمربين، لما له من أثر بالغ في بناء شخصية الأبناء وتشكيل سلوكهم وقيمهم، وهو موضوع «التربية التي لا نقصدها»، مستفيدًا من مادة تربوية منشورة في أحد المواقع التي تُعنى بالتربية وشؤون المربين.
فمن أخطر ما يواجه المربي أن يغرس في نفوس طلابه قيمًا سلبية لم يقصد غرسها، بل ربما كان يحاربها ويدعو إلى عكسها؛ ذلك أن التربية ليست كلمات وتوجيهات تلقى على الأبناء والطلاب فحسب، وإنما هي قبل ذلك سلوك يُرى، ومواقف تُعاش، وقدوة تُمارس.
فالمربي يرسل رسائل تربوية في كل لحظة؛ بعضها يقصدها، وبعضها يرسلها دون أن يشعر، وقد تكون الرسائل غير المقصودة أشد أثرًا من الدروس المقصودة، لأن الطالب لا يتعلم من الكلمات وحدها، بل يراقب المواقف، ويقارن بين الخطاب والسلوك، ثم يبني قناعاته على ما يراه أكثر مما يسمعه.
حين تهدم الممارسة ما تبنيه الكلمات
قد يتحدث المربي طويلًا عن قيمة الانضباط واحترام الوقت، ثم يتأخر عن مواعيده باستمرار، فتصل إلى الطالب رسالة خفية مفادها أن القواعد ليست للجميع، وأن تجاوزها ممكن لمن يمتلك السلطة.
وقد يكثر الحديث عن العدل، بينما تذهب فرص الاهتمام والثناء إلى فئة محددة من الطلاب، فيشعر الآخرون بأن العدالة مجرد شعار، ويتعلم بعضهم أن المحاباة قد تكون طريقًا للحصول على الامتياز.
ومن صور التربية غير المقصودة أيضًا أن تُتلى النصوص التي تجعل التقوى معيار التفاضل بين الناس، بينما يرى الطالب في الواقع تقديم العصبية القبلية أو الاجتماعية في بعض التعاملات، فينشأ لديه تناقض بين ما يسمعه وما يراه.
الأولويات التي يتعلمها الأبناء من مواقفن
قد يغضب المربي بشدة بسبب تأخر طالب دقيقة واحدة، لكنه يتسامح مع الكذب أو الإساءة أو عدم إنجاز المسؤوليات، فيتعلم الطالب أن المظهر أهم من الجوهر، وأن الالتزام الشكلي قد يكون أهم من النزاهة وتحمل المسؤولية.
وكذلك الحال عندما يدعو المربي إلى الهدوء وضبط النفس، ثم يثور ويغضب عند أول موقف لا يوافقه؛ فالطالب هنا لا يسمع فقط عبارة «اضبط نفسك»، بل يرى أمامه نموذجًا عمليًا يقول له: افعل ما أقول، لا ما أفعل.
ومن أخطر الرسائل التربوية الخفية أيضًا عدم الوفاء بالوعود؛ فعندما يعد المربي طلابه بمكافأة أو رحلة أو فرصة ثم يتراجع عنها دون توضيح، فإن الثقة تهتز، ويتعلم المتربي أن الوعد يمكن أن يكون وسيلة للتحفيز وليس التزامًا أخلاقيًا.
التواضع والتعاون وطلب العلم
يتحدث المربي عن التواضع، لكنه يغضب من النقد أو الملاحظة، فيرسل رسالة مفادها أن التواضع مطلوب من الآخرين، أما صاحب المكانة فلا ينبغي أن يُراجع.
ويتحدث عن التعاون والعمل الجماعي، لكنه لا يمنح الآخرين مساحة للمشاركة أو المبادرة، ويريد أن تكون القرارات جميعها بيده، فيتعلم المتربي أن المبادرة ليست مهمة، وأن الأفضل هو انتظار الأوامر بدل المشاركة وتحمل المسؤولية.
ومن الرسائل المهمة كذلك أن يحث المربي أبناءه وطلابه على القراءة والتعلم والتطوير، بينما لا يرونه يقرأ أو يتعلم أو يطور نفسه؛ عندها تصبح القراءة في نظر الطالب مجرد تكليف دراسي، لا أسلوب حياة.
هل نحافظ على الصورة أم نصحح الخطأ؟
من أكثر المواقف تأثيرًا في شخصية المترب أن يرى المربي يخطئ ثم يبرر خطأه أو يحاول إخفاءه حتى لا تتأثر صورته أمام الطلاب، في الوقت الذي يطالبهم فيه بالصراحة والاعتراف بالأخطاء.
والرسالة التي قد تصل إلى الطالب هنا أن المهم هو المحافظة على الصورة أمام الآخرين، لا البحث عن الحق وتصحيح الخطأ.
والحقيقة أن اعتراف المربي بخطئه لا يقلل من مكانته، بل قد يزيدها؛ فالطالب يتعلم من خلال ذلك أن الإنسان قد يخطئ، وأن القوة الحقيقية تكمن في الاعتراف بالخطأ ومراجعته وتصحيحه.
الفجوة بين القول والعمل
إن أخطر ما تفعله التربية الخفية أنها لا تهدم قيمة واحدة فحسب، وإنما قد تهدم الثقة بالمربي، وربما الثقة بالقيم نفسها.
فحين تتسع الفجوة بين ما يقال وما يُمارس، يبدأ المتربي في التساؤل: لماذا ألتزم بما لا يلتزم به من يطلب مني الالتزام؟
وهنا تتحول المبادئ في نظره إلى شعارات تُقال أكثر مما تُعاش، ويضعف تأثير التوجيه، وتتراجع الثقة بالمؤسسة التربوية، ويصبح السلوك الفعلي أقوى من آلاف الكلمات والمواعظ.
وقد حذّر القرآن الكريم من مخالفة القول للفعل، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
المربي القدوة لا المربي المعصوم
ليس المطلوب من المربي أن يكون معصومًا من الخطأ؛ فالكمال لله وحده، وكل إنسان معرض للزلل والتقصير، وإنما المطلوب أن يكون صادقًا مع نفسه ومع من يربيهم.
فإذا أخطأ اعتذر، وإذا قصر أصلح، وإذا نُصح تقبل، وإذا وعد وفى، وإذا تحدث عن قيمة حرص على أن تكون حاضرة في سلوكه.
إن أبناءنا وطلابنا لا يحتاجون إلى مربٍ لا يخطئ، بقدر حاجتهم إلى مربٍ إذا أخطأ عرف كيف يصحح خطأه، وإذا قال فعل، وإذا وعد وفى، وإذا دعا إلى قيمة كان أول المطبقين لها.
وفي النهاية، فإن التربية الحقيقية ليست ما نقوله لأبنائنا وطلابنا فقط، بل ما يرونه منا كل يوم؛ فكل موقف نعيشه أمامهم هو درس، وكل تصرف نمارسه قد يتحول إلى قيمة، وكل تناقض بين القول والعمل قد يترك أثرًا لا تمحوه الكلمات.
فليكن سؤال كل أب ومربٍ قبل أن يسأل: ماذا قلت لهم؟ أن يسأل أولًا: ماذا رأوا مني؟






