على رصيف الذكريات… جلستُ أفتّش عن ذاتي

عبدالله شراحيلي ابو يحى

في مساءٍ هادئ، يشبه تلك المساءات التي تتواطأ فيها الذاكرة مع القلب، جلستُ على رصيف الذكريات، أراقب تفاصيل العمر وهي تمرّ أمامي كقطارٍ لا ينتظر أحدًا.

لم أكن أبحث عن وجهٍ غاب، ولا عن حكايةٍ انتهت، ولا عن زمنٍ مضى ولن يعود… كنت أبحث عن ذاتي.

ذلك الإنسان الذي كنتُه قبل أن تعلّمني الحياة أن بعض الابتسامات تخفي وجعًا، وأن بعض الوعود لا تصل إلى محطتها الأخيرة، وأن الذين نمنحهم قلوبنا قد لا يعرفون كم كلّفنا ذلك العطاء.

جلستُ أقلب دفاتر العمر صفحةً صفحة.

وجدتُ طفلًا كان يضحك من قلبه، ولا يعرف للحزن طريقًا. وجدتُ شابًا يحمل أحلامًا واسعة، يظن أن الحياة ستمنحه ما يتمنى ما دام قلبه صادقًا. وجدتُ إنسانًا كان يثق كثيرًا، ويمنح بلا حساب، ويعتذر حتى عندما لا يكون مخطئًا؛ فقط لأنه كان يخشى أن يخسر أحدًا.

ثم توقفت طويلًا أمام مرآةٍ قديمة من مرايا الذاكرة، وسألت نفسي:

متى تغيّرنا؟

متى أصبحنا نزن الكلمات قبل أن نقولها؟

متى صار الصمت أكثر أمانًا من الحديث؟

ومتى تعلّمنا أن بعض الأبواب لا ينبغي أن نطرقها مرتين؟

ربما لم نتغير كما نظن، وربما الحياة هي التي نزعت عن أرواحنا شيئًا من عفويتها، وتركت لنا بدلًا منها شيئًا من الحذر.

فالسنوات لا تمرّ بنا كما تمرّ الساعات؛ إنها تأخذ معها أشياء، وتترك أشياء أخرى.

تأخذ أشخاصًا كنا نظن أنهم باقون إلى الأبد، وتترك ذكرياتهم في أماكن لا نستطيع الوصول إليها إلا بالحنين.

تأخذ أحلامًا كنا نراها قريبة، وتمنحنا بدلًا منها حكمة لم نطلبها.

وتأخذ من القلب بعض براءته، لكنها تعلّمه في المقابل كيف يختار، وكيف يقدّر، وكيف يعرف الفرق بين من يستحق أن يبقى ومن كان مجرد عابرٍ في الطريق.

وعلى رصيف الذكريات، اكتشفت شيئًا لم أفهمه من قبل:

أننا لا نفتقد الماضي دائمًا… أحيانًا نفتقد أنفسنا التي كانت تعيش فيه.

نشتاق إلى ضحكةٍ كانت تخرج من القلب دون تفكير، إلى صباحاتٍ لم تكن تحمل هذا القدر من القلق، إلى أصدقاء كانوا يملؤون المكان حضورًا، وإلى قلوبٍ كانت تؤمن بأن النوايا الطيبة تكفي كي تكون الحياة جميلة.

لكن الحياة لا تعيد لنا الأمس، ولا تمنحنا فرصةً لإعادة المشهد بالطريقة التي نريدها.

إنها تقول لنا بصمت:

خذ من الماضي حكمته، واترك فيه أوجاعه.

فليس المطلوب أن نعيش أسرى لما حدث، ولا أن نقضي أعمارنا في محاكمة الأشخاص والمواقف.

المطلوب أن نفهم.

أن نفهم لماذا تألمنا، ولماذا وثقنا، ولماذا أخطأنا، ولماذا رحل البعض، ولماذا بقي البعض الآخر.

أن نفهم أن بعض الخسارات لم تكن عقوبة، بل كانت نجاةً لم ندركها إلا بعد سنوات.

وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا كانت تحمينا من طرقٍ لم تكن تليق بنا.

ثم أدركتُ وأنا أستعيد تفاصيل العمر أن أجمل رحلةٍ يمكن للإنسان أن يخوضها ليست رحلة البحث عن الآخرين، بل رحلة العودة إلى ذاته.

أن يعود إلى قلبه قبل أن تثقله الحياة.

أن يصالح نفسه مع أخطائها.

أن يغفر لها ما لم تكن تعرفه حين مضى.

أن يتوقف عن جلد ذاته بسبب قرارات اتخذها بعقلٍ كان يومها يملك من المعرفة ما يملك.

فنحن جميعًا أبناء مراحلنا؛ نتخذ قراراتنا بما نعرفه في لحظتها، ثم تأتي الأيام لتكشف لنا ما لم نكن نراه.

وهذا ليس فشلًا… تلك هي الحياة.

رفعتُ رأسي عن دفاتر الذكريات، ونظرتُ إلى الطريق.

كان الرصيف كما هو، لكنني لم أعد كما كنت.

ابتسمتُ.

لم أعثر على ذاتي القديمة، لكنني وجدت شيئًا أجمل:

وجدتُ ذاتي التي صنعتها كل تلك الأيام.

ذاتًا أكثر هدوءًا، وأقل اندفاعًا، وأكثر قدرةً على فهم الناس، وأشد حرصًا على راحة القلب.

وعرفتُ أخيرًا أن الإنسان لا يعود إلى نفسه حين يسترجع الماضي، بل حين يتصالح معه.

فالماضي ليس مكانًا لنعيش فيه، وإنما درسًا نحمله معنا.

والمستقبل ليس وعدًا مضمونًا، وإنما فرصة.

أما الحاضر… فهو الرصيف الوحيد الذي نقف عليه الآن.

فلا تضيّع عمرك وأنت تفتّش عن نفسك في الأمس.

خذ نفسًا عميقًا، وانظر إلى الطريق أمامك، وقل لنفسك:

لقد تأخرتُ كثيرًا في العودة إليك… لكنني عدت.

وربما كانت أجمل نهايةٍ لكل رحلةٍ طويلة هي أن نصل أخيرًا إلى المكان الذي كان ينتظرنا طوال الوقت…

إلى ذواتنا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حكاية وطن”..  حين تُبنى البيوت سَكنا وتُروى الأمجاد شِعرًا

  دكتور حسن الأمير تتعدد فصول الحكايات وتتنوع العبارات ولكن تبقى “حكاية وطن” هي الملحمة الأكثر خلوداً وإلهاماً في ذاكرة التاريخ الحديث……. ومع إشراقة الذكرى السادسة والتسعين لتوحيد المملكة العربية السعودية لا تبدو المناسبة مجرد استذكار ليوم مجيد فحسب بل هي تجسيد حي لرحلة عظيمة انتقلت فيها البلاد من شتات الصحراء إلى آفاق النماء والريادة العالمية في ظل رؤية السعودية 2030….. ولأن “الوطن” يبدأ من تفاصيل…

أيتها الحبيبة الغالية علينا

سارة السلطان / الرياض – اعلمي أن الإنسان عندما يخلو بنفسه بمكان هادئ، بعيد عن تأثير الآخرين ، يكون صادقا باتخاذ قرارات معينة ! – قد تهلكه أو تشرح صدره بالذات حين يتعلق الأمر باوامر بأوامر ونواهي الشرع! وبالذات أنت على فطرة الإسلام ولله الحمد، يهمك اتباع الحق ، نوجّه إليك هذا التساؤل يا غالية : – لماذا الحرص منا لكِ على اتباع الحق .. !؟…

لقد فاتك ذلك

«روح» تحتفي بالوطن وتحوّل المناسبة الوطنية إلى رسالة عطاء لمرضى الأورام بجازان

«روح» تحتفي بالوطن وتحوّل المناسبة الوطنية إلى رسالة عطاء لمرضى الأورام بجازان

مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يصدر “قائمة الرياض” متضمنةً ٥٠٠٠ كلمةٍ شائعة في اللغة العربية المعاصرة

مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يصدر “قائمة الرياض” متضمنةً ٥٠٠٠ كلمةٍ شائعة في اللغة العربية المعاصرة

بيئه رنية تنفذ جولات رقابية على أسواق النفع العام

بيئه رنية تنفذ جولات رقابية على أسواق النفع العام

عقارات الدولة تطرح 8 فرص استئجارية في منطقة الباحة

عقارات الدولة تطرح 8 فرص استئجارية في منطقة الباحة

بيئه رنيه تنفذ مبادرة تشجير مركز طلائع المستقبل

بيئه رنيه تنفذ مبادرة تشجير مركز طلائع المستقبل

جدة.. من مدرجات “خليجي 27” إلى خيارات المطاعم والمقاهي والترفيه

جدة.. من مدرجات “خليجي 27” إلى خيارات المطاعم والمقاهي والترفيه

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode