عندما اصبح ((ابو وجهين)) عملة نادرة في زمان ابو 100 وجه.

 

عرفات العلي – جازان

 

في زمن مضى كان ذو الوجهين يعد قطب الرذيلة وبطل الخيانة الاجتماعية بلا منازع كتبت فيه القصائد وحذرت منه الرعية وتفننت في ذمه الكتب. لكنه وبكل أمانة كان يملك أخلاقيات النفاق الكلاسيكي وجه للمواجهة ووجه للظهر.

معادلة ثنائية بسيطة يمكنك التنبؤ بها وتتبعها بنفس البساطة التي تتتبع بها الفصول الأربعة كان نفاقا ببدائية جميلة يحترم الطاقة العقلية للبشر ولا يرهق ذاكرة الضحية.

أما اليوم فنحن نعيش عصر السيرك المتعدد الأقنعة لقد تطورت البشرية حتى في صناعة الزيف فلم يعد صاحب الوجهين ينفع في سوق المنافقين الجدد لقد غدا كلاسيكيا ورجعيا أمام أبو مية وجه ذاك الكائن المتكيف الذي يملك خزانة كاملة من الاقنعة المصممة بمهارة تناسب كل خوارزمية وكل اجتماع عمل وكل منصة تواصل وكل مناسبة.

 

فلسفيا القضية أعمق من مجرد نفاق إنها أزمة تضخم في الهوية صاحب الوجهين كان يعترف ضمنيا بوجود وجه حقيقي يخفيه خلف وجهه المستعار كان هناك أصل يخشى كشفه أما أبو مية وجه فقد استهلك الأصل في عملية إعادة التدوير اليومية حتى لم يعد هو نفسه يعرف كيف تبدو ملامح وجهه الحقيقي لو جردناه من فلتر المصالح ومكياج المناسبات و تسأله عن رأيه في قضية ما

فيسألك فورا أي قناع تحب أن أرتدي وأنا أجيبك؟

قناع الأعمال الرزين؟ أم قناع المناسبات السعيد؟ أم قناع الصور المتفائل بوقاحة؟

لقد وصلنا إلى مرحلة غريبة من الحنين الاجتماعي صرنا نترحم فيها على صادق النفاق الذي يخدعك بجهة واحدة فقط بدلا من هذا الشبح المتذبذب الذي يتغير شكله كما تتغير الحرباء على غصن متلون إن الحنين لبو وجهين ليس دفاعا عن الخيانة بل هو صرخة احتجاج على تعقيد الزيف نريد زيفا بسيطا يفهمه العقل وتستوعبه الحواس زيفا يملك الحد الأدنى من احترام كرامتنا كضحايا.

 

ربما يجدر بنا قريبا إنشاء محمية طبيعية لأصحاب الوجهين لحمايتهم من الانقراض أمام هذا الزحف الهائل لأصحاب المائة وجه فعلى الأقل مع صاحب الوجهين لديك فرصة خمسين بالمئة أن تقابل وجهه النظيف حين تلتقيه….

صدى نيوز إس 3

Related Posts

على رصيف الذكريات… جلستُ أفتّش عن ذاتي

عبدالله شراحيلي ابو يحى في مساءٍ هادئ، يشبه تلك المساءات التي تتواطأ فيها الذاكرة مع القلب، جلستُ على رصيف الذكريات، أراقب تفاصيل العمر وهي تمرّ أمامي كقطارٍ لا ينتظر أحدًا. لم أكن أبحث عن وجهٍ غاب، ولا عن حكايةٍ انتهت، ولا عن زمنٍ مضى ولن يعود… كنت أبحث عن ذاتي. ذلك الإنسان الذي كنتُه قبل أن تعلّمني الحياة أن بعض الابتسامات تخفي وجعًا، وأن بعض الوعود…

سلسلة حياتك السعيدة — المقال (29)أسرارُ الطمأنينةِ.. كيف تهزمُ القلقَ والتوترَ؟

  بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان مقدمة المقال: القلقُ سجنٌ قد تصنعُه أفكارُنا، والطمأنينةُ حصنٌ نبنيه بيقينِنا باللهِ تعالى. والسعادةُ الحقيقيةُ ليست حياةً تخلو من المشكلات، وإنما قلبٌ يعرفُ كيف يواجهُها دون أن يفقدَ سكينتَه، أو يسمحَ للعواصفِ أن تُطفئَ نورَ الأملِ في داخله. حين يستقرُّ الإيمانُ في القلبِ، تهونُ تقلُّباتُ الحياةِ، ويصبحُ الإنسانُ أكثرَ قدرةً على مواجهةِ الخوفِ والضغوطِ والتحدياتِ بعقلٍ هادئٍ ونفسٍ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

عندما اصبح ((ابو وجهين)) عملة نادرة في زمان ابو 100 وجه.

عندما اصبح ((ابو وجهين)) عملة نادرة في زمان ابو 100 وجه.

مستشفى الملك عبدالعزيز يفعّل الشهر الوطني للمناعة بممشى اليمامة بجدة

مستشفى الملك عبدالعزيز يفعّل الشهر الوطني للمناعة بممشى اليمامة بجدة

بلخزمر تُعلن إطلاق فريقها التطوعي لخدمة المجتمع تحت شعار: «أثرٌ يبقى.. وعطاءٌ ينمو ويصنع الفرق»

بلخزمر تُعلن إطلاق فريقها التطوعي لخدمة المجتمع تحت شعار: «أثرٌ يبقى.. وعطاءٌ ينمو ويصنع الفرق»

منشآت بالشراكة مع سدايا تختتم أسبوع الذكاء الاصطناعي بالرياض

منشآت بالشراكة مع سدايا تختتم أسبوع الذكاء الاصطناعي بالرياض

إطلاق أول برامج بكالوريوس متخصصة في النقل السككي بالمملكة

إطلاق أول برامج بكالوريوس متخصصة في النقل السككي بالمملكة

بيئة العاصمة المقدسة والتجارة تعززان التنسيق في أعمال اللجان المشتركة

بيئة العاصمة المقدسة والتجارة تعززان التنسيق في أعمال اللجان المشتركة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode