كانت بلدة “أبوعريش” القديمة تغرق في أمطار الربيع عندما قرر محمد العودة. بعد عشرون عاماً مرت على مغادرته، عشرون عاماً من الركض في شوارع الاغتراب الباردة، بمشاعرها كان يظن خلالها أنه نسي كل شيء. لكن، بمجرد أن وطئت قدمه عتبة البيت القديم، أدرك أن النسيان مجرد خدعة نتقنها لكي نواصل العيش.
تجاوز الفناء الخارجي الذي غطته الأعشاب البرية، وفتح الباب الخشبي الثقيل الذي أصدر صريراً يشبه أنين حارس هجره الجميع. ذهب إلى غرفته الخاصة متوجهاً بدقة، دون وعي، إلى أغراضه التي هجرها منذو زمن من ولم يجرؤ أحد على دخولها ففي محراب الظلام والذكرى
فتح الباب ببطء. لم يكن هناك صخب، بل صمت مطبق. في هذه الغرفة القديمة، لا يبدو أن الظلام جاء ليخيف أحداً بل جاء ليخفي ما عجزت الأيام عن دفنه. كان الغبار قد صنع طبقة حامية فوق كل شيء، كأنه كفن يحرس الذكريات من التلاشي.
الضوء الخافت المتسلل من نافذةٍ مغلقة يشبه ذكرياته القديمة؛
لا تكفي لإنارة المكان، لكنها تكفي لتُظهر ما حاول طويلًا ألّا يراه.
خط رقيق من أشعة الشمس الغاربة يقطع عتمة الغرفة، ليسلط الضوء مباشرة على وسط الأرضية الخشبية.
وفي مقدمة المشهد…
حقيبة سفر رثة، مفتوحة على
آخرها كأن صاحبها قد رحل منذ زمن، لكنه لم يستطع أن يأخذ كل شيء معه.
وسر الباقة الجافة من الورود
خطى خطواته المعهودة و جثا على ركبتيه أمام الحقيبة.
لم تكن تحتوي على ثياب أو وثائق، كانت الحقيبة ممتلئة بالورد. جفّ الورد، لكنه لم يفقد شكله تمامًا…
وكأن المشاعر أيضًا قد جفت، دون أن تموت.
تأمل محمد الوردات الجافة، وشعر ببرودتها تحت أصابعه. تذكر تلك الليلة الماطرة قبل عشرين عاماً. ليلة وداعه لـها”.
ربما كانت تلك الباقة هديةً لحظةَ حب، ليلة أن التقاها خلف اشجار الفل القرشي، والياسمين .
وربما كانت وعداً بأن يعود أحدهم
حين قطعت هي عهداً بأن تنتظره مهما طال الغياب.
وربما كانت آخر شيءٍ بقي من شخصٍ لم يعد…
بعد أن أخذتها الأقدار بعيداً، وتزوجت في مدينة أخرى وانقطعت أخبارها.
احتفظ بها طويلًا، ليس لأنها ما زالت جميلة، بل لأنها كانت الدليل الوحيد على أن شيئًا جميلًا حدث ذات يوم. كانت الحصن الأخير ضد شكوكه؛
لكي لا يستيقظ يوماً في غربته ويقول لنفسه: “ربما كان كل ذلك مجرد وهم”.
شظايا ما سقطت من الذاكرة
التفت محمد حول الحقيبة
ليرى الأرض المحيطة بها.
أما الوردات المتناثرة على الأرض، فتبدو كالأشياء التي سقطت من الذاكرة دون أن ينتبه.
نظر إليها وتخيلها تتجسد أمامه
رسائل لم تُرسل خاف أن يكتب فيها عجز وقلة حيلته في بلاد الغربة.واعتذاراته التي، تأخرت عن رحيله المفاجئ، وعن صمته الطويل الذي مزق حبال التواصل.
بينما لم يعد يجرؤ على أن نناديها باسمها ” الذي صار محرماً على لسانه لشدة وجعه.
وتلك الأيام التي، تمنى لو يستطيع إعادتها ولو لدقيقة واحدة
ليعيد صياغة الوداع بشكل أفضل، أو ربما ليرفض الرحيل من أساسه.
الحقيبة لم تكن تستعد للسفر…
كانت تحمل سفرًا قديمًا. سفر شخصٍ غادر المكان بجسده، لكن قلبه بقي هنا، في هذه الغرفة، بين نافذةٍ مغلقة، ووردٍ ميت، وذكريات لم تجد طريقاً للخروج.
خوف التخلي والرحيل الحقيقي أغلق محمد عينيه برهة من الزمن واستنشق رائحة الغبار الممزوجة ببقايا عطر الورد الميت. ولعل أكثر ما تخفيه الصورة أن بعض الناس لا يحتفظون بالأشياء لأنهم
لا يستطيعون التخلي عنها،
بل لأنهم يخافون أن يتخلوا عنها، فيكتشفوا أن الشيء الوحيد الذي كان يربطهم بالماضي قد اختفى.
أدرك محمد في تلك اللحظة أنه طوال السنوات التي قصاها في غربته، لم يكن حراً أبداً.
بل كان مكبلاً بهذا الخوف. خاف أن يرمي الورد، فينسى ملامح وجهها،
أو ينسى نبرة صوتها، فيصبح بلا ماضٍ وبلا هوية.
لهذا بقيت الحقيبة مفتوحة
وبقي الورد فيها، وبقيت الغرفة مظلمة…
وأخيرأ
وقف على قدميه.لم يغلق الحقيبة
ولم يجمع الورد المتناثر. تطلع إلى النافذة المغلقة، ومد يده ببطء ونزع قفلها الصدئ. دفع النافذة بقوة، فاندفعت نسمات الربيع المنعشه المحملة برائحة المطر، لتطرد ذلك الضوء الخافت، وتحل محله رائحة عبق الواقع الصادقة.
تحركت بعض الوردات الجافة مع الهواء، وتطاير غبار السنين. نظر إلى الغرفة نظرة أخيرة. كأن صاحبها لم يكن ينتظر عودة أحد، بل كان ينتظر أن يتعلم أخيرًا كيف يغادر دون أن يأخذ قلبه معه.
استدار، ومشى نحو الباب بخطوات أخف. هذه المرة، لم يلتفت وراءه. ترك الحقيبة مفتوحة للريح، ولأول مرة منذ عشرين عاماً، شعر أن قلبه يسير بجانبه، لا خلفه.
بقلم /محمد باجعفر









