بقلم الدكتور/ عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
ليس كلُّ ما يُقالُ يستحقُّ الردَّ، وليس كلُّ فعلٍ يستوجبُ الوقوفَ عنده. فالسعادةُ الحقيقيةُ ليست في الردِّ على كلِّ كلمةٍ، ولا في الوقوفِ عند كلِّ موقفٍ، وإنَّما في امتلاكِ «فنِّ التغافلِ الذكيِّ»؛ فمن تغافلَ عن هفواتِ الناسِ، وحفظَ لسانَه عن الردودِ التي لا ثمرةَ لها، اشترى راحةَ قلبِه، وصانَ كرامتَه، وحفظَ وقارَ نفسِه. وفي هذه المحطّةِ ندركُ أنَّ التغافلَ ليس غباءً ولا ضعفًا، بل هو من أرقى صورِ الحكمةِ والذكاءِ الاجتماعيِّ، ووسيلةٌ راقيةٌ لنشرِ السلامِ في محيطِنا، وحمايةِ أرواحِنا من كدرِ الخصوماتِ الصغيرةِ.
تأملات (301–310)
301. الثقةُ باللهِ تعالى تُغني عن الخوفِ من «مكرِ الخصومِ»؛ فمن توكّلَ على اللهِ كفاه، ومن لجأَ إليه لم يخذلْه، واللهُ تعالى خيرُ حافظٍ وخيرُ معينٍ.
302. الهدوءُ النفسيُّ يُحسِّنُ مهاراتِ «الاحتواءِ العاطفيِّ»؛ فبالهدوءِ نملكُ زمامَ مشاعرِنا، وبالسكينةِ نُحسنُ التعاملَ مع من حولَنا، ونذيبُ جبالَ الجفاءِ في العلاقاتِ بحكمةٍ ولطفٍ.
303. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُنا القوّةَ عند «فقدِ المكاسبِ»؛ فالدنيا دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرٍّ، والرضا يجعلُنا ندركُ أنَّ الربحَ الحقيقيَّ هو ما ادّخرْناه لآخرتِنا، وأنَّ ما عندَ اللهِ سبحانَه وتعالى خيرٌ وأبقى.
304. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ لتركِ «تتبُّعِ العثراتِ»؛ فمن انشغلَ بإصلاحِ نفسِه، لم يجدْ وقتًا لإحصاءِ عيوبِ الناسِ، فعاشَ قلبُه في صفاءٍ، ونفسُه في سكينةٍ، وحياتُه في سلامٍ.
305. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُنا «الأنسَ في الغربةِ»؛ فحيثما كان العبدُ، فاللهُ تعالى يعلمُ حالَه ويسمعُ دعاءَه، وهذا اليقينُ يبدّدُ وحشةَ المكانِ، ويملأُ الروحَ طمأنينةً وأمانًا.
306. صفاءُ القلبِ للهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في «كسبِ الثقةِ»؛ فالصدقُ في الباطنِ ينعكسُ على الظاهرِ، والقلبُ الصافي يتركُ أثرًا طيّبًا في النفوسِ، ويجعلُ صاحبَه محلَّ ثقةٍ واحترامٍ.
307. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من «جحودِ الصنيعِ»؛ فكن وفيًّا لمن أحسنَ إليك، واشكرْ من قدّمَ لك معروفًا، فإنَّ الوفاءَ للناسِ من مكارمِ الأخلاقِ، ومن شكرِ نعمِ اللهِ تعالى.
308. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ رغبةَ «الاستعلاءِ بالعرقِ»؛ فالناسُ سواسيةٌ في أصلِ الخِلقةِ، ولا تكونُ الكرامةُ بالنسبِ ولا بالعرقِ، وإنَّما بالتقوى وحسنِ الخُلُقِ والعملِ الصالحِ.
309. السعادةُ الحقيقيةُ تظهرُ في السكينةِ الروحيةِ عند «إطعامِ الطعامِ»؛ فلذّةُ العطاءِ، وإدخالُ السرورِ على المحتاجينَ، من أجملِ أبوابِ السعادةِ، وأعظمِ أسبابِ البركةِ في البيتِ والأهلِ والمجتمعِ.
310. كلُّ منعٍ بقضاءِ اللهِ تعالى قد يكون «حمايةً ربانيةً»؛ فلعلَّ في المنعِ دفعًا لضررٍ لم نرَه، أو صرفًا لشرٍّ لم نعلمْه؛ فاحمدِ اللهَ تعالى على ما صرفَ عنك، كما تحمدُه على ما أعطاك.
قاعدةٌ ذهبيةٌ لفنِّ التغافلِ:
قبل أن تردَّ على كلمةٍ أزعجتك، أو موقفٍ أثقلَ قلبَك، اسألْ نفسَك ثلاثةَ أسئلةٍ:
هل يستحقُّ الردَّ؟ وهل سيُصلحُ الردُّ شيئًا؟ وهل سأندمُ على كلامي بعد أن أهدأ؟
فإن كان الجوابُ «لا»، فالتغافلُ هنا ليس ضعفًا، بل قوّةٌ؛ والصمتُ ليس عجزًا، بل حكمةٌ؛ والابتعادُ ليس هروبًا، بل حفاظٌ على راحةِ القلبِ وكرامةِ النفسِ.
الخاتمة:
وفي ختامِ هذا المقال، نتعلَّمُ أنَّ فنَّ التغافلِ ليس تنازلًا عن الكرامةِ، ولا ضعفًا أمامَ الآخرين، بل هو حكمةٌ تُبصرُ ما يستحقُّ الوقوفَ عنده، وما يستحقُّ أن نمضي عنه بسلامٍ. فليس كلُّ ما يُقالُ يستحقُّ أن نردَّ عليه، ولا كلُّ ما يُفعلُ يستحقُّ أن نحملَه في قلوبِنا.
إنَّ التغافلَ الجميلَ هو أن تعرفَ متى تتحدَّثُ، ومتى تصمتُ، ومتى تعفو، ومتى تتركُ الأمرَ للهِ تعالى؛ وأن تختارَ راحةَ قلبِك على الانتصارِ في جدالٍ عابرٍ، وسلامَ روحِك على الدخولِ في خصوماتٍ لا ثمرةَ لها.
فإذا امتلأ القلبُ يقينًا باللهِ تعالى، ورضًا بقضائِه، وحسنَ ظنٍّ به، أصبحَ الإنسانُ أقدرَ على تجاوزِ صغائرِ المواقفِ، وأوسعَ صدرًا عن هفواتِ الآخرين، وأكثرَ حرصًا على إصلاحِ نفسِه بدلَ الانشغالِ بعيوبِ غيرِه.
تغافلْ عن الهفواتِ، وتجاوزْ عن الزلّاتِ، واحفظْ للناسِ كرامتَهم، واحفظْ لقلبِك صفاءَه؛ فما أجملَ أن تنامَ وقلبُك خفيفٌ من الضغائنِ، مطمئنٌّ باللهِ تعالى، راضيًا بما قسمَ اللهُ تعالى لك، مستبشرًا بما عنده.
اللهمَّ ارزقنا قلوبًا صافيةً، ونفوسًا مطمئنّةً، وحكمةً في القولِ والفعلِ، وبصيرةً تميّزُ لنا ما يستحقُّ الردَّ وما يستحقُّ التغافلَ، واجعلنا ممّن يعفونَ ويصفحونَ، ويجبرونَ الخواطرَ، وينشرونَ السلامَ، ويعيشونَ بقلوبٍ لا تحملُ إلا الخيرَ.
وليس الذكيُّ من ينتصرُ في كلِّ موقفٍ، بل من يعرفُ أيَّ موقفٍ يستحقُّ أن ينتصرَ فيه، وأيَّ موقفٍ يستحقُّ أن يتجاوزه؛ فبعضُ المعاركِ لا تحتاجُ إلى انتصارٍ، بل تحتاجُ إلى تغافلٍ يُنقذُ راحةَ البالِ.
نلتقي بكم يوم الإثنين القادم بإذن الله تعالى، في محطةٍ جديدةٍ من محطّات «سلسلة حياتك السعيدة»، لنواصلَ معًا رحلةَ التأمّلِ في معاني الحياةِ، ونستمدَّ منها ما يضيءُ قلوبَنا، ويُسعدُ أرواحَنا، ويعينُنا على أن نحيا حياةً أكثرَ طمأنينةً وإيجابيةً وعطاءً.







