عندما تعانق قطرات المطر نسائم الصباح

عبدالله شراحيلي

حين تهبط قطرات المطر على مهلٍ، وتلامس الأرض كأنها رسائل سماوية محمّلة بالخير، يتغيّر وجه الصباح، وتستيقظ في الروح أشياء ظننا أنها غفت طويلًا. هناك، بين رائحة التراب المبتل ونسائم الفجر العليلة، يولد صباح مختلف؛ أكثر نقاءً، وأشد قربًا من القلب.

المطر ليس ماءً يتساقط من السماء فحسب، بل حالة وجدانية تستدعي أجمل ما في الإنسان. إنه موسيقى هادئة تعزفها الطبيعة على نوافذ البيوت، وهمسات رقيقة تطرق أبواب الأرواح، فتفتح فيها نوافذ الأمل، وتمنحها فسحة للتأمل بعيدًا عن صخب الأيام.

وحين تعانق قطرات المطر نسائم الصباح، يبدو الكون وكأنه يرتدي ثوبًا جديدًا؛ الأشجار تغتسل من تعبها، والزهور تستعيد ألوانها، والطرقات تلمع تحت ضوء النهار كأنها مرايا صغيرة تعكس جمال السماء. حتى الطيور، وهي تبحث عن مأوى بين الأغصان، تبدو وكأنها تشارك الصباح نشيده الجميل.

في مثل هذه اللحظات، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن ينصت إلى وقع المطر، وأن يتأمل الغيم، وأن يترك قلبه للحظة يتنفس بعيدًا عن ضجيج الحياة. فبعض الصباحات لا تُعاش بالعين وحدها، وإنما تُدرك بالقلب، وتشعر بها الروح قبل أن تراها الأجساد.

وللمطر ذاكرة خاصة؛ يعيد إلينا وجوهًا أحببناها، وأماكن تركنا فيها شيئًا من أرواحنا، وأمنيات ما زالت تنتظر موعدها مع السماء. وربما لهذا السبب نشعر في حضرة المطر أننا أكثر صدقًا مع أنفسنا، وأكثر قدرة على استعادة تفاصيل جميلة خبأها الزمن في زوايا الذاكرة.

إن أجمل ما في المطر أنه يعلّمنا أن بعد كل غيمة مطرًا، وبعد كل جفاف حياة، وبعد كل انتظار فرجًا. فالسماء لا تبقى ملبدة إلى الأبد، كما أن الإنسان لا يبقى أسيرًا للحزن ما دام في قلبه متسع للأمل.

وفي صباح ماطر، حين تمتزج رائحة الأرض بنقاء الهواء، ندرك أن الجمال لا يحتاج إلى موعد، وأن السعادة قد تختبئ أحيانًا في تفاصيل بسيطة: فنجان قهوة، نافذة يطرقها المطر، دعاء صادق، ونسمة صباح تمر على القلب فتترك فيه سلامًا لا يُرى، لكنه يُشعرنا بأن الحياة ما زالت جميلة.

هكذا يأتي المطر؛ يغسل وجه الأرض، ويوقظ فينا دهشة البدايات، ويذكرنا بأن الحياة مهما أثقلتنا، قادرة دائمًا على أن تمنحنا لحظة جميلة نستعيد فيها اتزان أرواحنا.

وعندما تعانق قطرات المطر نسائم الصباح، لا تمطر السماء ماءً فقط، بل تمطر على القلوب طمأنينة، وعلى الأرواح أملًا، وعلى الحياة جمالًا جديدًا.

ولعل أجمل الصباحات تلك التي تبدأ بالمطر… وتنتهي بابتسامة في القلب.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

ا. محمد باجعفر ​أضواء الكاناري البراقة ​في عالم تسوده المظاهر الخادعة، حيث تُباع الألقاب والبطولات الوهمية على شاشات الزيف، كان هناك عصفوران عُرفا بـ “الكناري” كانا يتصدران المشهد الإعلامي في كل محفل ومناسبة؛ يغردان معاً، يتبادلان الأضواء، وتتجه نحوهما الأنظار. تارة تكون العصفورة إلى يمينه، وتارة يقف هو إلى جانبها في استعراض مثالي للتناغم المصطنع. كان الجمهور يصفق، والكاميرات ترصد كل حركة، والغرور يملأ الأجواء بأن…

مكارم الأخلاق عند العرب.. لم تكن الشجاعة والكرم وحدهما

بقلم: أحمد علي بكري حين نتحدث عن العرب قبل الإسلام، كثيرًا ما نختزل صورتهم الأخلاقية في صفتين اشتهروا بهما: الشجاعة والكرم، حتى يكاد البعض يتصور أن المروءة العربية لم تكن تتجاوز حمل السيف وإكرام الضيف. ولا شك أن الشجاعة والكرم كانتا من أعظم ما تفاخر به العرب، وخلّدت أشعارهم وأخبارهم صورًا كثيرة منهما، لكن اختزال أخلاق العرب فيهما وحدهما اختزال لا ينصف تلك الثقافة الأخلاقية ولا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

مع انطلاقة العام الدراسي.. طلاب وطالبات الطائف ينتظمون في المدراس  

مع انطلاقة العام الدراسي.. طلاب وطالبات الطائف ينتظمون في المدراس  

عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي بجامعة الدول العربية برئاسة السعودية

عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي بجامعة الدول العربية برئاسة السعودية

جمعية “انبثاق الشبابية” تطلق 7 برامج نوعية مع انطلاقة العام الدراسي 1448هـ

جمعية “انبثاق الشبابية” تطلق 7 برامج نوعية مع انطلاقة العام الدراسي 1448هـ

مع انطلاقة العام الدراسي.. 700 ألف طالب وطالبة ينتظمون في مدارس جدة ورابغ وخليص والكامل

مع انطلاقة العام الدراسي.. 700 ألف طالب وطالبة ينتظمون في مدارس جدة ورابغ وخليص والكامل

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

استعدادًا للعام الدراسي الجديد إطلاق مبادرة العودة للدراسة سليم. وجميلة

استعدادًا للعام الدراسي الجديد إطلاق مبادرة العودة للدراسة سليم. وجميلة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode