ا. محمد باجعفر
أضواء الكاناري البراقة في عالم تسوده المظاهر الخادعة، حيث تُباع الألقاب والبطولات الوهمية على شاشات الزيف، كان هناك عصفوران عُرفا بـ “الكناري”
كانا يتصدران المشهد الإعلامي في كل محفل ومناسبة؛ يغردان معاً، يتبادلان الأضواء، وتتجه نحوهما الأنظار. تارة تكون العصفورة إلى يمينه، وتارة يقف هو إلى جانبها في استعراض مثالي للتناغم المصطنع.
كان الجمهور يصفق، والكاميرات ترصد كل حركة، والغرور يملأ الأجواء بأن هذه الشراكة أبدية ولا تهزها عواصف.
لكن الحقيقة أن العلاقات التي تُبنى على أساس الأضواء وحدها تشبه القصور المصنوعة من الرمال
جميلة ما دام البحر هادئاً، ومنهارة مع أول موجة عالية
فجاء، الصقر العالي وكعادة الحياة في كشف حقيقة النفوس، لم تدم تلك المسرحية طويلاً. فجأة، ومن حيث لا يحتسبون، هبط الصقر الحقيقي من علٍ؛
صقر لا تهمه بهرجة الإعلام ولا زقزقة الكناري.
بخفة وقوة، خطف الصقر العصفورة وطار بها بعيداً إلى أعالي الجبال،
حيث لا يصل المتطفلون ولا العابثون، وحيث تبنى الأعشاب الحقيقية بعيداً عن ألسنة الفضوليين.
هنا انتهى العرض المسرحي، وبقي العصفور وحيداً في ساحة المعركة، يواجه الواقع المرة عارياً من كل أغطية البهرجة.
أصوات الدجاج من حوله في حضرة الانكسار
فبدأ العصفور الجريح يغرد بصوت منخفض ومتقطع، يملؤه الانكسار. كانت آثار الهزيمة واضحة جلية على روحه وجسده، ولم يعد قادراً حتى على مجاراة إيقاع الماضي.
لكن المأساة الحقيقية لم تكن في رحيل العصفورة، بل فيما حدث بعد ذلك. عندما سأل القاص العارف ببواطن الأمور عن حاله، فجاء الجواب محملاً بالحكمة والأسى: “ليس عليه ملام”.
المشكلة الحقيقية لم تكن في العصفور الساقط،
بل في البيئة الجديدة التي التحق بها؛ فقد استبدل صمت الكبار بصخب الأصوات الضحلة.
فالتفت حوله حيوانات الأرض التي لا تحسن سوى الثرثرة ولا تملك القدرة على الطيران لمسافات بعيدة—
دجاج وبط وحجل—جماعات عجزت طوال عمرها عن بلوغ الأعالي، فوجدت في سقوط غيرها فرصة لتبرير عجزها.
تحول محيطه إلى ما يشبه الطبل الأجوف، أصوات بلا معنى، وجلبة فارغة بعيدة كل البعد عن شهامة الرجال ومواقفهم.فتركت له مجالس القيل والقال
وحل خريف المزز والتواريخ المنتهية
تأملتُ المشهد بمرارة
وأنا أرى كيف ينقلب الناس. فالحدأة والطيور الجارحة الحقيقية لا تزاحم الصقور، بل تتركها لعلوها. أما أولئك الذين أتقنوا طعن الرجال في ظهورهم، فقصتهم تشبه بضاعة رخيصة ذات تاريخ صلاحية محدود؛ دجاج لاحم وبياض تتغير أسعاره بانتهاء موسمه.
تذكرتُ كيف تتحول بعض الوجوه المزيفة في الحياة؛ تصبح كالموز تتبرقَع وتتأنق لفترة قصيرة، ثم لا تلبث أن تلين وتعفن مع أول اختبار حقيقي، لتُرمى في نهاية المطاف في سلة مهملات النسيان.
خاتمة الحكاية
لقد حاولت أسدال الستار على مشهد ذلك “اليتيم اللئيم” الذي لا يخجل من غدره، مستمتعاً بدور الضحية تارة والمتشفي تارة أخرى.
وبقيت الحكمة الأبدية تتردد في ذهني كخلاصة لكل هذا العبث البشري:
”يعيبون على الناس والعيب فيهم”
قصة تندى لها الجباه، وتكشف كيف أن سقوط الأقنعة، على مرارته، هو أفضل هدية يكشف بها الزمن معادن البشر الحقيقية.








