حين اجتمع الشعر بالسيرة، وأنصتت القلوب لجميل الخُلق

 

مزنة بنت سعيد البلوشية

كاتبة عُمانية

في ليلةٍ عامرةٍ بالمحبة والروحانية، تزيّنت بمناسبة المولد النبوي الشريف، أقام مجلس عُمان الثقافي أمسيته الشعرية والثقافية في مكتب والي السويق، تحت رعاية الفاضلة ثريا بنت حميد بن ناصر العامرية، عضوة المجلس البلدي ورئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية بالمجلس البلدي.

وأدارت الأمسية الشاعرة رحاب بنت حارب السعدية، التي استهلت اللقاء بالترحيب بالحضور والضيوف، وقدّمت فقرات الأمسية والشعراء المشاركين، في أجواءٍ احتفائية جمعت بين الكلمة الهادفة وروح المناسبة، ومهّدت لليلةٍ حافلةٍ بالفقرات الثقافية والأدبية.

وبعد الترحيب، كان للصوت الطفولي الجميل حضوره الخاص، حيث صدح المنشد الصغير عمر البكاري بتلاوةٍ عطرة من آيات الكتاب الحكيم بصوته الشجي، فأضفى على المكان سكينةً وروحانية، ثم أتبعها بإنشاد أنشودة جميلة تناولت سيرة النبي ﷺ، فكان لصوته حضورٌ محبب لامس أسماع الحاضرين وقلوبهم، وفتح للأمسية بابها الأول على نور القرآن ومحبة المصطفى.

ثم قدّم العقيد ذياب بن خلفان الزيباني محاضرة بعنوان «وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم»، تناول فيها جانبًا من عظمة الأخلاق النبوية، مستعرضًا مواقف من السيرة العطرة وما حملته من قيم الرحمة والتسامح والصبر وحسن التعامل، لتكون المحاضرة وقفةً مع تلك الأخلاق التي كانت ولا تزال منهاجًا يُهتدى به، ورسالةً تؤكد أن أعظم ما يخلّد الإنسان هو أثر خُلقه فيمن حوله.

أما الشعر، فقد كان له حضوره المتنوع بين الفصيح والنبطي، واستحضر الشعراء في قصائدهم سيرة النبي ﷺ ومواقفه وشمائله، إلى جانب قصصٍ من الواقع وتجارب إنسانية تجسدت في أبياتهم، لتصبح القصيدة وسيلةً لاستحضار المعنى وربط الماضي بالحاضر، ولتؤكد أن الشعر حين يحمل رسالةً صادقة يستطيع أن يحوّل الحكاية إلى إحساس، والإحساس إلى أثر.

وكان للشعر الفصيح حضورٌ خاص مع الشاعرة مزنة بنت سعيد البلوشية، التي قدمت قصيدةً بالفصحى احتفاءً بالمناسبة واستلهامًا لسيرة المصطفى ﷺ وشمائله، فجاءت مشاركتها امتدادًا للمشهد الشعري الذي تنوعت فيه الأصوات والتجارب، واجتمعت فيه القافية مع المحبة، والقصيدة مع السيرة.

كما أدار الشاعر علي بن حمدان الوشاحي الجلسة الحوارية بمشاركة الشاعر محفوظ راشد الشبلي والشاعرة أميرة الكحل، حيث أدارها بقصائد ومعلّقات تنقلت بين سيرة النبي ﷺ ومواقفه العطرة، وبين حياة الواقع والمواقف الحياتية، فكانت القصيدة حاضرةً لتروي، والحوار حاضرًا ليضيء المعنى، في مساحةٍ التقت فيها السيرة بالتجربة، والماضي بالحاضر، وتحولت فيها المواقف إلى أبياتٍ تحمل الحكمة والإحساس. وقد أضفت مشاركات الشعراء تنوعًا أدبيًا ثريًا، عكس اختلاف التجارب والأساليب، وأشرك الحضور في تفاصيل المشهد الشعري.

وتخللت الأمسية المسابقات والأسئلة والفعاليات الإثرائية والجوائز، التي أضفت أجواءً من الحماس والتفاعل، وأسهمت في إشراك الحضور في تفاصيل المناسبة، لتتجاوز الأمسية حدود المنصة إلى فضاءٍ أكثر قربًا من الجمهور.

وفي ختام الفقرات الشعرية، عادت الشاعرة رحاب بنت حارب السعدية لتقدم إحدى قصائدها الجميلة، فكان لصوتها الشعري حضورٌ مميز اختتمت به الجانب الأدبي من الأمسية، تاركةً للكلمة أثرها الجميل في نفوس الحاضرين.

ثم جاءت لحظة تكريم الشعراء والمشاركين، تقديرًا لعطائهم وحضورهم وإسهامهم في إنجاح هذه الفعالية، في لفتةٍ تحمل معنى الوفاء لكل من شارك بكلمة أو قصيدة أو فكرة، وأسهم في صناعة هذه الليلة الثقافية.

وكان المعرض الفني للشاعرة مزنة البلوشية من المحطات اللافتة في الفعالية، حيث أضاف للمشهد الثقافي بُعدًا بصريًا مميزًا، وجمع بين جمال الفن وروح الشعر، فكان حضوره لافتًا ومكملًا لصورة الأمسية، ليؤكد أن الإبداع لا يسكن قالبًا واحدًا، وأن القصيدة قد تُكتب بالحروف كما قد تُروى بالألوان.

وفي لفتةٍ أدبية جميلة، أهدى الشاعر محفوظ راشد الشبلي أحد كتبه لضيف شرف الأمسية، تعبيرًا عن التقدير والاحتفاء، في مشهدٍ اختصر قيمة الكتاب حين يكون حاضرًا في المناسبات الثقافية، وحين تتحول الكلمة من صوتٍ يُسمع إلى أثرٍ يبقى، ومن لحظةٍ عابرة إلى ذاكرةٍ تحفظها الصفحات.

واختُتمت الأمسية بالتقاط الصورة الجماعية التي جمعت الشعراء والمشاركين والضيوف، لتبقى شاهدةً على لقاءٍ اجتمعت فيه القلوب حول السيرة النبوية، وتآلفت فيه الكلمة مع الفن، والشعر مع الحوار، والكتاب مع الذكرى.

وهكذا تآلفت تفاصيل الأمسية؛ ترحيبٌ يفتح أبواب اللقاء، وقرآنٌ يملأ المكان سكينة، وإنشادٌ يستحضر السيرة، ومحاضرةٌ في أخلاق المصطفى، وقصائد فصيحة ونبطية ومعلّقات، وحوارٌ ثقافي، ومسابقات وأسئلة وجوائز، ومعرضٌ فني، وتكريمٌ للمشاركين، وكتابٌ يُهدى، وصورةٌ جماعية تحفظ تفاصيل اللقاء.

فكانت ليلةً لم يكن الشعر فيها وحده من يتحدث؛ بل تحدثت السيرة، وأنصتت القلوب، وغنّى الإنشاد، وتكلم الفن بألوانه، وحضر الكتاب، وبقيت الأخلاق النبوية هي المعنى الأجمل الذي اجتمعت حوله الكلمات.

ليلةٌ عابرة في زمنها، باقية في أثرها؛ لأن أجمل الأمسيات ليست تلك التي تنتهي بانطفاء المنصة، وإنما التي تترك في القلب معنى، وفي الذاكرة صورة، وفي الروح شيئًا من نور السيرة العطرة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

برعاية شيخ الأزهر.. انطلاق فعاليات «اليوم العالمي للسرد القرآني» بمشاركة محلية وعالمية واسعة

سلمى حسن انطلقت صباح اليوم الأحد فعاليات النسخة الثالثة من «اليوم العالمي للسرد القرآني»، التي تنظمها الإدارة العامة لشؤون القرآن الكريم بقطاع المعاهد الأزهرية، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في مشهد إيماني يجمع مئات الآلاف ممن يقرؤون كتاب الله بمختلف محافظات الجمهورية والعديد من دول العالم. وأكد فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر الشريف، أن هذا اليوم يمثل…

الحماية المدنية الجزائرية تتمكن من إخماد 118 حريقا

كمال فليج _ الجزائر أعلنت الحماية المدنية الجزائرية، اليوم السبت، عن تمكن فرقها من إخماد أغلبية الحرائق المستعرة في ولايات الوطن، فيما تتواصل الجهود للسيطرة على البؤر المتبقية. وحسب بيان للحماية المدنية الجزائرية بخصوص الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي، المحاصيل الزراعية، واحات نخيل، وأحزمة التبن من 28 أوت إلى 29 أوت 2026 على الساعة السابعة صباحا، فقد بلغ العدد الإجمالي للحرائق المسجلة 123 حريقا، تم إخماد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

استعدادًا للعام الدراسي الجديد إطلاق مبادرة العودة للدراسة سليم. وجميلة

استعدادًا للعام الدراسي الجديد إطلاق مبادرة العودة للدراسة سليم. وجميلة

بيئة الكامل بالتعاون مع الدفاع المدني ينفذون عددًا من الجولات الميدانية الإرشادية على مزارع المحافظة

بيئة الكامل بالتعاون مع الدفاع المدني ينفذون عددًا من الجولات الميدانية الإرشادية على مزارع المحافظة

برعاية شيخ الأزهر.. انطلاق فعاليات «اليوم العالمي للسرد القرآني» بمشاركة محلية وعالمية واسعة

برعاية شيخ الأزهر.. انطلاق فعاليات «اليوم العالمي للسرد القرآني» بمشاركة محلية وعالمية واسعة

مكارم الأخلاق عند العرب.. لم تكن الشجاعة والكرم وحدهما

مكارم الأخلاق عند العرب.. لم تكن الشجاعة والكرم وحدهما

نكتب بأسمائنا.. ونقف مع وطننا

نكتب بأسمائنا.. ونقف مع وطننا

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode