بقلم: أحمد علي بكري
حين نتحدث عن العرب قبل الإسلام، كثيرًا ما نختزل صورتهم الأخلاقية في صفتين اشتهروا بهما: الشجاعة والكرم، حتى يكاد البعض يتصور أن المروءة العربية لم تكن تتجاوز حمل السيف وإكرام الضيف. ولا شك أن الشجاعة والكرم كانتا من أعظم ما تفاخر به العرب، وخلّدت أشعارهم وأخبارهم صورًا كثيرة منهما، لكن اختزال أخلاق العرب فيهما وحدهما اختزال لا ينصف تلك الثقافة الأخلاقية ولا يعبّر عن حقيقة منظومة المروءة التي عرفها العرب.
وتروي كتب الأدب والأخبار أن العرب عرفوا كتابة الأشعار والقصائد وتعليقها في مواضع ذات مكانة، واشتهرت في هذا السياق أخبار المعلقات، كما وردت أخبار عن صحف تتضمن مكارم العرب وفضائلهم. ومن أشهر ما تناقلته كتب مكارم الأخلاق قائمة عُرفت بمكارم الأخلاق العشر، وجاء فيها: «صدق الحديث، وصدق البأس، وإعطاء السائل، ومكافأة الصنيع، وصلة الرحم، وأداء الأمانة، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء».
والتأمل في هذه القائمة وحده كافٍ لإعادة النظر في الصورة الشائعة؛ فالشجاعة والكرم موجودان فيها، نعم، لكنهما ليسا كل شيء، بل إن النص لم يضعهما وحدهما في الواجهة، وإنما جمع بين عشر خصال متعددة، وربط بينها بحرف الواو: صدق الحديث وصدق البأس وإعطاء السائل ومكافأة الصنيع وصلة الرحم وأداء الأمانة والتذمم للجار والتذمم للصاحب وقرى الضيف، ثم رأسهن الحياء.
وهنا تكمن أهمية الانتباه إلى واو العطف؛ فالواو في هذا السياق لا تجعلنا أمام مراحل متدرجة، ولا تقول إن خصلة جاءت لتتبعها خصلة أخرى في ترتيب زمني، وإنما تجمع هذه الخصال في منظومة واحدة هي المروءة ومكارم الأخلاق. ولذلك فمن الخطأ أن نقتطع منها صفتين فقط، ثم نجعل الشجاعة والكرم عنوان الأخلاق العربية كلها.
ولننظر إلى القائمة من أولها: صدق الحديث يأتي في مقدمة المكارم. وهذه خصلة عظيمة، لأن الصدق هو أساس الثقة، ومن فقد صدقه فقد شيئًا أساسيًا من مروءته، مهما كان شجاعًا أو كريمًا. ثم يأتي صدق البأس، أي القوة والشجاعة والثبات، فتكون الشجاعة نفسها مرتبطة بالصدق في الموقف، وليست مجرد تهور أو بطش.
ثم يأتي إعطاء السائل، وهو باب من أبواب البذل، وبعده مكافأة الصنيع، أي حفظ المعروف ورد الجميل وعدم نكران فضل الآخرين. ثم صلة الرحم، وهي خصلة تكشف أن المروءة لا تكون مع الغرباء فقط، بل تبدأ من دائرة الإنسان الأقرب إليه.
ثم تأتي أداء الأمانة، وهي من أعظم أبواب الأخلاق؛ فما قيمة رجل شجاع لا يؤتمن؟ وما قيمة رجل كريم يخون الأمانة؟ ثم يأتي التذمم للجار، أي حفظ حق الجوار وصيانته، وبعده التذمم للصاحب، بما يحمله من معنى الوفاء وحفظ حق الرفيق.
ثم تأتي قرى الضيف، وهي الخصلة التي التصقت بصورة العربي في الذاكرة حتى أصبحت من أشهر مظاهر كرمه ومروءته، لكنها ليست الكرم كله؛ فالكرم في القائمة أوسع، يبدأ بإعطاء السائل، ويظهر في مكافأة الصنيع، وينتهي في إكرام الضيف، وكل ذلك جزء من منظومة أخلاقية متكاملة.
ثم تأتي العبارة اللافتة: «ورأسهن الحياء».
وهنا نصل إلى خصلة كثيرًا ما تغيب عن الصورة الشعبية عندما يُختزل العربي في الفارس الكريم. فالحياء ليس ضعفًا ولا تراجعًا، وإنما هو رقيب داخلي يمنع الإنسان من الدناءة، ويكبح قوته عن الظلم، ويمنعه من الخيانة والابتذال، ويجعله يستشعر أن هناك أفعالًا لا تليق بصاحب المروءة حتى لو استطاع فعلها.
ومن هنا نفهم أن القائمة لم تكن تصنع لنا صورة الفارس وحده، ولا صورة الكريم وحده، وإنما تصنع صورة الإنسان صاحب المروءة.
والأهم من ذلك أن بعض هذه المكارم التي عُرفت عند العرب قبل الإسلام هي نفسها من أبرز صفات المؤمن التي جاء الإسلام فأكدها ورسخها. فالصدق والحياء والأمانة والوفاء وصلة الرحم وحفظ الجوار ليست أخلاقًا ظهرت فجأة مع الإسلام، وإنما هي من مكارم الفطرة التي عرفتها العرب، وكانوا يمدحون أصحابها ويذمون من يخالفها.
والنبي ﷺ نفسه عُرف قبل البعثة بالصدق والأمانة، حتى لم تكن دعوته إلى الصدق أمرًا غريبًا عن المجتمع الذي عاش فيه، بل كان الذين عرفوه يعرفون صدقه وأمانته. وكذلك الحياء، فقد جاء الإسلام مؤكدًا مكانته، وجعل الحياء من الإيمان، فقال النبي ﷺ: «الحياء شعبة من الإيمان».
وهنا تتضح حقيقة مهمة: الإسلام لم يأت ليخبر العرب أن الأخلاق لم تكن موجودة فيهم، وإنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق، ويهذبها، ويحررها من شوائب الجاهلية، ويربطها بالإيمان والتقوى ومراقبة الله.
فالعربي كان قد يكرم ضيفه طلبًا للمجد والذكر، فجاء الإسلام فأصبح إكرام الضيف خلقًا يؤجر عليه صاحبه. وكان العربي قد يتحمس لنصرة قومه ولو كانوا ظالمين، فجاء الإسلام فهذب معنى النصرة وربطه بالحق والعدل. وكان العربي يفتخر بالشجاعة، فجاء الإسلام ليجعل القوة في موضعها، لا وسيلة للظلم والعدوان. وكان العربي يعطي ويجود، فجاء الإسلام فطهّر العطاء من المنّ والأذى، وجعل الصدقة والإحسان عبادة.
وهكذا لم يهدم الإسلام كل ما كان عند العرب، وإنما أقر صالح أخلاقهم، وأبطل ما خالف الحق، وأكمل ما يحتاج إلى إكمال، ونقل المروءة من مجرد عرف اجتماعي ومحل للفخر إلى مسؤولية دينية وأخلاقية أمام الله.
ومن هنا أيضًا يجب أن ننتبه إلى خطأ آخر؛ فكما لا يصح أن نقول إن أخلاق العرب كانت شجاعة وكرمًا فقط، لا يصح كذلك أن نتصور أن كل صدق أو حياء أو أمانة أو وفاء ظهر عند العرب بعد الإسلام. الإسلام جاء إلى قوم كانت فيهم بقية من مكارم الفطرة، فهذبها ورفع شأنها، وجعلها جزءًا من بناء الإنسان المؤمن.
ولهذا فإن وجود الصدق والحياء في هذه القائمة له دلالة بالغة؛ فالصدق جاء في صدر المكارم، والحياء جاء في خاتمتها بوصفه «رأسهن»، وبينهما الأمانة والوفاء وصلة الرحم وحفظ الجوار والصحبة والعطاء والشجاعة وإكرام الضيف. إنها ليست أخلاقًا متفرقة لا رابط بينها، وإنما شبكة متكاملة تصنع شخصية صاحب المروءة.
فالصدق يمثل لسان الإنسان، والأمانة تمثل ذمته، وصلة الرحم تمثل وفاءه لأهله، وحفظ الجار يمثل مسؤوليته تجاه مجتمعه، وحفظ الصاحب يمثل وفاءه لرفقته، وإكرام الضيف يمثل سخاءه، والشجاعة تمثل قوته وثباته، والحياء يمثل الرقيب الداخلي على كل ذلك.
فما الذي يجعلنا إذن نأخذ من عشر خصال صفتين فقط ونقول: هذه هي أخلاق العرب؟
لماذا نذكر الشجاعة والكرم، وننسى الصدق والأمانة والوفاء وصلة الرحم وحفظ الجار والصاحب والحياء؟
ربما لأن الشجاعة والكرم أكثر ما ظهر في الشعر العربي، وأكثر ما ارتبط بصورة الفارس والسيد، فاستقرت في الذاكرة حتى حجبت بقية المكارم. لكن انتشار صفتين في الشعر والقصص لا يعني أنهما كانتا الصفتين الوحيدتين، بل إن النص نفسه يقدم لنا قائمة أوسع.
والعجيب أن الشجاعة والكرم نفسيهما لا تكتمل قيمتهما إلا ببقية الأخلاق؛ فالشجاعة بلا صدق قد تتحول إلى تهور، والقوة بلا حياء قد تتحول إلى ظلم، والكرم بلا أمانة لا يصنع صاحب مروءة مكتملة، وإكرام الضيف مع الغدر بالصاحب لا يجعل الإنسان كامل الخلق.
ولهذا فإن المروءة ليست سيفًا وحده، وليست مائدة وحدها.
المروءة صدق وشجاعة، وعطاء ووفاء، وصلة وأمانة، وحفظ للجار والصاحب، وإكرام للضيف، وحياء يضبط الجميع.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها عندما نتحدث عن العرب قبل الإسلام وعن موقف الإسلام من أخلاقهم. لقد كان في العرب خير كثير إلى جانب الشر، وكانت عندهم أخلاق فاضلة إلى جانب عقائد وممارسات أبطلها الإسلام. فجاء الإسلام فلم يسوِّ بين الخير والشر، ولم يرفض كل ما كان عندهم لمجرد أنه جاهلي، وإنما جاء بالميزان الذي يقر الحق ويهدم الباطل.
فأقر الصدق، وأكد الأمانة، ووصل الرحم، وحفظ الجار، وعظم الوفاء، ورغب في الكرم، وأكد الشجاعة في موضعها، وجعل الحياء من الإيمان، ثم أضاف إلى ذلك ما جاءت به الشريعة من تمام الأخلاق وعدلها وضوابطها.
إن الحديث عن العرب إذن يجب ألا يكون حديثًا عن السيف والمائدة فقط، بل عن منظومة واسعة من القيم التي عرفوها ومارسوها وتفاخروا بها، ثم جاء الإسلام فأقر صالحها وأتممها وهذبها.
ومن الإنصاف أن نقول: نعم، العرب أهل شجاعة وكرم، ولكنهم لم يكونوا شجاعة وكرمًا فقط.
كانوا يعرفون الصدق، والأمانة، والوفاء، وصلة الرحم، وحفظ الجوار، وصيانة الصحبة، ورد الجميل، وإغاثة المحتاج، وإكرام الضيف، وكانوا يرون الحياء رأسًا من رؤوس المروءة.
وهنا تعود بنا واو العطف إلى المعنى كله؛ فهذه المكارم لم تأتِ لتتنافس فيما بينها، وإنما اجتمعت لتقول لنا إن المروءة أكبر من أن تختزل في خصلة أو خصَلتين.
فالشجاعة والكرم مكرمتان عظيمتان، لكنهما اثنتان من منظومة، وليستا المنظومة كلها.
وإذا أردنا أن نختصر تلك المنظومة في عبارة واحدة، فلنقل: إن العربي صاحب المروءة ليس هو الشجاع الكريم فحسب، بل هو الصادق الأمين الوفي، الواصل لرحمه، الحافظ لجاره وصاحبه، المعطي للسائل، المكرم لضيفه، الثابت عند الشدة، ورأس ذلك كله الحياء.
وهكذا جاء الإسلام ليقر مكارم الأخلاق، لا ليختزلها، ويهذبها، لا ليمحوها، ويرفعها من مجرد مفاخر اجتماعية إلى أخلاق يتقرب بها الإنسان إلى ربه.








