المقال (35): فقهُ الجبرِ.. كيف يُرمِّمُ اللهُ انكساراتِ قلبِك؟

 

بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

ما من قلبٍ انكسرَ للهِ تعالى، إلا كان جبرُ اللهِ أقربَ إليه من ظنِّه، وما من عبدٍ ألقى أحزانَه بين يدي ربِّه بصدقٍ، إلا أبدله اللهُ بعد العسرِ يُسرًا، وبعد الخوفِ أمنًا، وبعد الانكسارِ قوّةً، وبعد الدمعِ سكينةً.

فالجبرُ الإلهيُّ لا يعني دائمًا أن تعودَ الأشياءُ كما كانت، بل قد يكونُ الجبرُ في أن يمنحَك اللهُ قلبًا أقوى، ونفسًا أهدأ، وبصيرةً أعمق، وتعلُّقًا به وحدَه. وربما أغلقَ عنك بابًا أحببتَه؛ ليفتحَ لك بابًا لم يخطرْ لك على بال، وربما أخّرَ عنك ما تمنيتَه؛ ليعطيَك في الوقتِ الذي يكونُ فيه العطاءُ رحمةً وخيرًا.

وقد ينزعُ اللهُ من قلبِك تعلُّقًا بغيرِه، لا ليعذِّبَك، بل ليحرِّرَك؛ وقد يصرفُ عن طريقِك شيئًا ظننته سعادتَك، ليقودَك إلى سعادةٍ أصدقَ وأبقى.

فإذا ضاقَ بك الطريقُ، فلا تظنَّ أن النهايةَ قد اقتربت؛ فلعلَّها بدايةُ جبرٍ عظيم. وإذا انكسرَ قلبُك، فلا تبحثْ عن جبرِه عند الخلقِ قبل الخالقِ؛ ارفعْ يديك، وأقبلْ على اللهِ، وأحسنِ الظنَّ به، وقلْ بقلبٍ مطمئن:

«يا ربِّ، أنت أعلمُ بموضعِ كسري، وأنت أرحمُ بي من نفسي؛ فاجبرني جبرًا يليقُ بكرمِك، وأبدلني عن ألمي سكينةً، وعن ضعفي قوّةً، وعن حزني رضًا وطمأنينةً».

وحينها ستدركُ أن بعضَ الانكساراتِ كانت رسائلَ رحمة، وأن بعضَ التأخيراتِ كانت عينَ الحكمة، وأن أجملَ ما في الجبرِ الإلهيِّ أنك لا تعودُ بعده الشخصَ الذي كنتَه قبل الانكسار؛ بل تعودُ أقربَ إلى اللهِ، وأقوى إيمانًا، وأصفى قلبًا، وأعمقَ فهمًا للحياة.

فاطمئنَّ… ما دام اللهُ ربَّك، فلن يتركَ قلبَك مكسورًا؛ سيجبرُه، ويُرمِّمُه، ويملؤه سكينةً، حتى تقولَ يومًا: الحمدُ للهِ على كلِّ ما كسرني؛ فقد قادني كسرُه إلى اللهِ.

تأملات (341–350)

341. الثقةُ باللهِ تعالى تُغني عن الخوفِ من «تبدُّلِ النعمِ». فمن رزقَك النعمةَ قادرٌ على حفظِها، أو إبدالِها بما هو خيرٌ منها؛ فكن واثقًا بكرمِ اللهِ، مطمئنًّا إلى تدبيرِه.

342. الهدوءُ النفسيُّ يعينُ على «الصبرِ على الأذى». فالنفسُ الهادئةُ تترفعُ عن مقابلةِ الإساءةِ بمثلِها، وبالسكينةِ تملكُ زمامَ الموقفِ، وتحفظُ كرامتَها، وتحتسبُ أجرَها عند اللهِ تعالى.

343. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القوةَ عند «فقدِ الأثرِ». فإذا لم يُقدَّرْ لعملِك أن يظهرَ للناسِ، فحسبُك أن اللهَ تعالى يعلمه؛ فالسعادةُ الحقيقيةُ في القبولِ عند الخالقِ، لا في ثناءِ الخلقِ.

344. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ لتركِ «التعلُّقِ بالألقابِ». فالألقابُ تزولُ، والمناصبُ تتبدّلُ، ويبقى العملُ والأثرُ؛ وأجملُ ما يبلغه القلبُ أن يرى نفسَه عبدًا للهِ، وكفى بها منزلةً وشرفًا.

345. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك «القوةَ في الصدقِ». فالصدقُ منجاةٌ، ومن استمدَّ قوّتَه من اللهِ لم يخفْ في الحقِّ لومةَ لائمٍ، ومضى صادقًا مطمئنًّا، موقنًا بأن عاقبةَ الصدقِ خيرٌ.

346. صفاءُ القلبِ للهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في «القدوةِ الصالحةِ». كن قدوةً بصمتِك، وأخلاقِك، وأفعالِك؛ فالقلبُ الصافي يتركُ أثرَه في الآخرينَ دون حاجةٍ إلى كثيرٍ من الكلامِ.

347. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من «السخطِ على الحالِ». فاشكرِ اللهَ على ما بين يديك، وارضَ بما قسمَ لك، وأحسنِ الظنَّ بما هو آتٍ؛ فالامتنانُ للحاضرِ يفتحُ أبوابَ الرضا، ويهيِّئُ القلبَ لمستقبلٍ أجملَ بإذنِ اللهِ.

348. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ رغبةَ «الاستئثارِ بالخيرِ». فالمؤمنُ يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه، ويفرحُ لخيرِ الآخرينَ كما يفرحُ لخيرِه؛ لأن السعادةَ الحقيقيةَ لا تُحتكرُ، بل تتضاعفُ حين تُشاركُها مع الآخرينَ.

349. السعادةُ الحقيقيةُ في السكينةِ الروحيةِ مع «الذكرِ الخفيِّ». فذكركَ للهِ حين تكونُ وحدَك يملأُ خلوتَك نورًا، ويؤنسُ وحشتَك، ويجعلُ قلبَك واحةً عامرةً بالأُنسِ باللهِ سبحانه وتعالى.

350. كلُّ ضيقٍ يمرُّ بك قد يكونُ «إعدادًا للفرجِ». فالشدائدُ تصنعُ الصبرَ، وتوقظُ البصيرةَ، وتكشفُ للإنسانِ مواطنَ قوّتِه؛ وقد يخرجُ من رحمِ الألمِ أجملُ العطايا. فاصبرْ، وأحسنِ الظنَّ باللهِ، وثقْ بأن مع العسرِ يُسرًا.

كلمةٌ أخيرة

لا تخفْ من انكسارِ قلبِك ما دمتَ تعرفُ إلى من تلجأُ؛ فاللهُ سبحانه وتعالى هو الجبَّارُ، وهو أرحمُ بعبادِه من أنفسِهم. وما عليكَ إلا أن تُحسنَ اللجوءَ إليه، وتصدقَ في دعائِك، وتصبرَ على ما نزلَ بك، وتوقنَ أن وراءَ كلِّ ابتلاءٍ حكمةً، ووراءَ كلِّ صبرٍ أجرًا، ووراءَ كلِّ انكسارٍ جبرًا قد يفوقُ كلَّ ما تمنيتَ.

فإذا كان اللهُ معك، فلا انكسارَ يدومُ، ولا حزنَ يبقى، ولا ضيقَ يستمرُّ؛ لأن جبرَ اللهِ حين يأتي، يُنسي القلبَ مرارةَ ما مضى، ويعلِّمه أن أجملَ الأقدارِ هي تلك التي تقودُه إلى الله تعالى.

ونلتقي بكم يوم الإثنين القادم، بإذنِ اللهِ تعالى، في محطةٍ جديدةٍ من محطات «سلسلة حياتك السعيدة»، سائلين اللهَ تعالى أن يجعلَها كلماتٍ نافعةً، وخواطرَ لامسةً للقلوبِ، وأن يكتبَ لها القبولَ والأثرَ الطيبَ.

ونسعدُ بأيِّ ملاحظةٍ أو رأيٍ أو مقترحٍ منكم عبر البريد الإلكتروني؛ فبكم يكتملُ الأثرُ، وبآرائكم تتطوّرُ الرسالةُ، وبصدقِ تفاعلكم تستمرُّ مسيرةُ العطاءِ.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين يصبح الحبرُ ملتقى

  ✍🏻 مزنة بنت سعيد البلوشية كاتبة عُمانية هناك أماكن لا ندخلها بأقدامنا فحسب، بل ندخلها بشغفنا أيضًا؛ أماكن نشعر فيها أن شيئًا في داخلنا كان ينتظر هذا اللقاء منذ زمن. ولعل ملتقى حِبر الثقافي الثاني واحدٌ من تلك المساحات التي لا تُقاس قيمتها بعدد الفعاليات أو الحضور، وإنما بما تتركه من أثرٍ في الذاكرة، وما تفتحه من نوافذ جديدة على الفكر والمعرفة والإبداع. فالثقافة ليست…

من رحم المعاناة.. رجل من بيش خدم وطنه واليوم ينتظر يد الرعاية

  بقلم / صفية محرق – محافظة بيش – جازان   من محافظة بيش تبدأ حكاية رجلٍ عرف الكفاح منذ صغره، عاش يتيم الام بعد ولادته بعده شهور يتيم الاب بعد عده سنوات سافر خارج منطقته والتحق في مقتبل شبابه بصفوف القوات السعودية، وشارك في خدمة وطنه خلال عدد من المهام الأمنية، قبل أن يواصل مسيرته في أحد القطاعات الأمنية حتى تقاعد بعد سنوات طويلة من…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الغطاء النباتي يطلق أكبر حملة “نثر بذور” لتأهيل 350 ألف هكتار من المراعي الطبيعية دعمًا لمستهدفات السعودية الخضراء

الغطاء النباتي يطلق أكبر حملة “نثر بذور” لتأهيل 350 ألف هكتار من المراعي الطبيعية دعمًا لمستهدفات السعودية الخضراء

حين يصبح الحبرُ ملتقى

حين يصبح الحبرُ ملتقى

جمعية رفق لإكرام الموتى بصامطة تنفذ برنامج “تأهيل وتدريب المغسلين والمغسلات

جمعية رفق لإكرام الموتى بصامطة تنفذ برنامج “تأهيل وتدريب المغسلين والمغسلات

«حياة بوعي» محاضرة تقدمها الأخصائية داليا بالتعاون مع فريق تنفّس التطوعي 

«حياة بوعي» محاضرة تقدمها الأخصائية داليا بالتعاون مع فريق تنفّس التطوعي 

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتصدران جلسات ملتقى أبحاث الحج

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتصدران جلسات ملتقى أبحاث الحج

السيسي يتلقى اتصالًا هاتفيًا من الأمير محمد بن سلمان تناولا خلاله القضايا الإقليمية والدولية

السيسي يتلقى اتصالًا هاتفيًا من الأمير محمد بن سلمان تناولا خلاله القضايا الإقليمية والدولية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode