وفاءٌ لا يموت.. حين يتحول الحنين إلى دعاء رسالة إلى كل من يحمل في قلبه ذكرى عزيزٍ رحل

 

بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

ليس كل من رحل غاب، وليس كل من غاب انتهى أثره؛ فهناك أناسٌ يغادرون الدنيا، لكنهم يستقرون في أعماق القلب، وتبقى سيرتهم الطيبة حاضرةً في الذاكرة، وتظل أسماؤهم تتردد في أجمل ما يمكن أن نهديه إليهم: الدعاء.

فأعظم الوفاء للأموات أن يبقى الأحياء أوفياء لهم؛ وفاءً لا تحكمه مصلحة، ولا ينتظر مقابلًا، ولا يرتبط بحضورٍ أو غياب، وإنما تحمله المحبة الصادقة، ويصل أثره بإذن الله تعالى إلى من سبقونا إلى الدار الآخرة.

لقد سبقونا إلى أول منازل الآخرة، وانقطعت أعمالهم إلا مما استثناه الشرع؛ قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

وهنا تتجلى قيمة الوفاء الحقيقي؛ أن يتحول الحب إلى دعاء، والحنين إلى صدقة، والذكرى إلى عمل صالح، وأن يبقى أثر من رحلوا حاضرًا في حياتنا من خلال الخير الذي نفعله، والدعوات التي نرفعها إلى رب العالمين من أجلهم.

قد لا نملك إعادة من نحب إلى الحياة، ولا نستطيع أن نمنع ألم الفقد، لكننا نملك بابًا عظيمًا لا يغلق: باب الدعاء.

دعوةٌ صادقة في ظهر الغيب، لا تحتاج إلى موعد، ولا إلى مكان، ولا إلى وسيلة؛ وإنما تحتاج إلى قلبٍ محب، ولسانٍ يلهج بالخير، ويقينٍ برحمة الله سبحانه وتعالى.

فحين تمر ذكرى عزيزٍ رحل، لا تجعل الحزن آخر ما يبقى منه في قلبك؛ اجعل الدعاء أول ما يخرج من قلبك.

قل: اللهم اغفر له وارحمه، اللهم نوّر قبره، وارفع درجته، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة.

وحين تتذكر والديك اللذين سبقاك إلى الآخرة، تذكر أن البر بهما لم ينتهِ برحيلهما؛ بل بقي الدعاء لهما، والاستغفار، والصدقة عنهما، وصلة رحمهما، وإكرام من كانا يحبانه، والمحافظة على ما تركاه من أثرٍ طيب.

وما أجمل أن يكون الأبناء امتدادًا صالحًا لآبائهم وأمهاتهم؛ يحملون سيرتهم الطيبة، ويواصلون أبواب الخير التي فتحوها، ويكثرون من الدعاء لهم.

إن الوفاء للأموات ليس أن نبقى أسرى للحزن، وإنما أن نحول الفقد إلى أثر، والحنين إلى إحسان، والذكريات إلى أعمال صالحة.

فقد يرحل الإنسان بجسده، لكن أثره قد يبقى سنواتٍ طويلة؛ في علمٍ علّمه، أو خيرٍ أسّسه، أو صدقةٍ أجراها، أو إنسانٍ أحسن إليه، أو ولدٍ صالح يدعو له.

اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين والمسلمات، واغفر لهم، وعافهم واعفُ عنهم، وأكرم نُزلهم، ووسّع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقّهم من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس.

اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم، ونوّر قبورهم، وافسح لهم فيها مدّ أبصارهم، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، واجعلها نورًا وسعةً وطمأنينةً إلى يوم يبعثون.

اللهم اجعل القرآن العظيم نورًا لهم، والرحمة تحيط بهم، والمغفرة تتغمدهم، وارفع درجاتهم في المهديين، واخلفهم في عقِبهم في الغابرين، واغفر لنا ولهم يا رب العالمين.

اللهم من كان منهم محسنًا فزد في إحسانه، ومن كان مسيئًا فتجاوز عن إساءته، اللهم اجزهم عن الإحسان إحسانًا، وعن التقصير عفوًا وغفرانًا

اللهم اجعل صدقاتهم وأعمالهم الصالحة وعلمهم النافع وما خلّفوه من أثرٍ طيب سببًا في استمرار أجورهم ورفعة درجاتهم.

اللهم ارزق أبناءهم وذرياتهم الصلاح والبر والوفاء، واجعلهم أولادًا صالحين يدعون لآبائهم وأمهاتهم، ويواصلون أبواب الخير التي فتحوها، ويجعلون سيرتهم الطيبة أثرًا ممتدًا لا ينقطع.

اللهم ارحم كل عزيزٍ فقدناه، وكل قريبٍ غيّبه الموت، وكل مسلمٍ ومسلمةٍ تحت التراب، واغفر لهم جميعًا، واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وفي الختام، تذكّر أن من أجمل صور الوفاء أن تذكر من رحلوا حين لا يذكرهم كثيرون، وأن تدعو لهم حين تنشغل الدنيا عنهم.

فإذا اشتقت إلى من رحل، فلا تبحث عنه في الصور وحدها؛ ابحث عنه في الدعاء.

وإذا حضرت ذكراه في قلبك، فاجعل أجمل ما تقدمه له:

«اللهم اغفر له وارحمه، واجعل قبره نرًا، ومقامه في الفردوس الأعلى».

رحم الله تعالى موتانا وموتى المسلمين والمسلمات، وجبر قلوب من فقدوهم، وجعل الوفاء لهم دعاءً لا ينقطع، وأثرًا طيبًا لا يغيب، وجمعنا بهم في جنات النعيم، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

اليوم الوطني السعودي 96.. وطنٌ يكتب المجد ويصنع المستقبل

بقلم أ. غميص الظهيري.  في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تتزين المملكة العربية السعودية بألوان الفخر والاعتزاز، وتنبض شوارعها وميادينها بمشاعر وطنية تتجاوز حدود الاحتفال؛ لأنها مناسبة تستحضر قصة وطنٍ جمع شتاته، ورسّخ وحدته، وانطلق بثبات نحو بناء مستقبل يليق بمكانته. ويأتي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعون ليجدد في نفوس أبناء المملكة معنى الانتماء، ويستحضر ذكرى توحيد هذه الأرض المباركة على يد الملك عبدالعزيز…

عاصفة

  محمد الرياني الزمن في أوائل فصل الشتاء عندما سكنتُ في الطابق الأربعين المطل على بحر المدينة الساحلية ، لم يكن في مدينتي أدوار متعددة للسكنى ، والناس عندنا يلتقون بسهولة دون ارتقاء مصاعد أو فتح أبواب مغلقة غالبًا . الجو في شتاء المدينة الساحلية في قمة الروعة ، والزجاج الأزرق يحاكي البحر لدرجة أن الجنون يوحي بأن يرمي الساكن نفسه في البحر على الرغم من…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

“إحسان لحفظ النعمة” توقّع اتفاقية مبادرة تمكين المنظمات غير الربحية للحد من الهدر الغذائي

“إحسان لحفظ النعمة” توقّع اتفاقية مبادرة تمكين المنظمات غير الربحية للحد من الهدر الغذائي

“ساعد القانونية” تنظم فعالية اليوم العالمي للقانون في جازان

“ساعد القانونية” تنظم فعالية اليوم العالمي للقانون في جازان

معرض الصقور والصيد 2026.. أكثر من 1440 عارضًا وعلامة تجارية في وجهة تجمع الموروث والأعمال والتجارب

معرض الصقور والصيد 2026.. أكثر من 1440 عارضًا وعلامة تجارية في وجهة تجمع الموروث والأعمال والتجارب

جدة تستضيف النسخة الثانية من ,, منتدى الصناعة السعودي 2026»

جدة تستضيف النسخة الثانية من ,, منتدى الصناعة السعودي 2026»

وفاءٌ لا يموت.. حين يتحول الحنين إلى دعاء رسالة إلى كل من يحمل في قلبه ذكرى عزيزٍ رحل

وفاءٌ لا يموت.. حين يتحول الحنين إلى دعاء     رسالة إلى كل من يحمل في قلبه ذكرى عزيزٍ رحل

حين تسبق المعرفة سيارة الإسعاف 

حين تسبق المعرفة سيارة الإسعاف 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode