عبدالله شراحيلي
في الحياة أشياء لا تحتاج إلى شرح، ومشاعر لا تُجيد الحروف حملها، ومواقف يكون الصمت فيها أبلغ من ألف حديث. فليس كل صامتٍ عاجزًا عن الكلام، ولا كل من ابتعد ناسيًا، ولا كل من أغلق بابه قد أغلق قلبه.
ثمة صمتٌ يأتي بعد كثرة العتاب، حين يتعب القلب من تكرار ما يؤلمه، فيختار السكون لا ضعفًا، وإنما حفاظًا على ما تبقّى من كرامته. وثمة ابتعادٌ لا يعني القسوة، بل يعني أن الإنسان أدرك أخيرًا أن بعض الأماكن لا تليق بقلبه، وأن بعض العلاقات مهما كانت جميلة في بداياتها، قد تصبح مؤلمة حين يغيب عنها التقدير.
وما أكثر الذين يظنون أن الهدوء فراغ، وأن عدم السؤال نسيان، وأن عدم الردّ برود. ولا يعلمون أن خلف بعض الهدوء معارك لا تُرى، وخلف بعض الابتسامات حكايات طويلة من التعب، وأن الإنسان حين يصل إلى مرحلة الصمت، يكون قد قال في داخله أشياء كثيرة، لكنه أدرك أن قولها لن يغيّر شيئًا.
لقد علمتنا الحياة أن الكرامة ليست خصامًا، وأن العتاب ليس ضعفًا، وأن التسامح لا يعني أن نسمح للآخرين بتكرار الأذى. فالقلب النبيل يستطيع أن يعفو، لكنه لا يُجبر نفسه على العودة إلى المكان الذي كُسر فيه.
ومن أجمل ما يتعلمه الإنسان مع مرور الأيام أن العلاقات الحقيقية لا تحتاج إلى مطاردة، ولا إلى إثبات دائم للحضور؛ فمن أرادك وجد إليك طريقًا، ومن اشتاق إليك لم تمنعه المسافات، ومن أحبك بصدق عرف أن الغياب ليس عذرًا دائمًا، وأن الاهتمام فعلٌ قبل أن يكون كلامًا.
وفي نهاية المطاف، لا يبقى في الذاكرة عدد الذين مرّوا بنا، بل يبقى أولئك الذين جعلوا وجودهم طمأنينة، وغيابهم سؤالًا، وحضورهم في القلب عمرًا آخر.
لذلك، لا تحزن حين يبتعد أحدهم، ولا تُرهق قلبك في البحث عن تفسير لكل تغير. بعض الرحيل رسالة، وبعض الصمت حكمة، وبعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت في الحقيقة تُغلق عنك طريقًا لم يكن ليقودك إلى الخير.
كن كريم القلب، عزيز النفس، هادئ الخطى. أحبب بصدق، وامنح بلا منّة، واغفر حين تستطيع، لكن لا تنسَ أن تحفظ لنفسك مكانتها.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في إقناع أحدٍ بقيمتنا، وأجمل من أن نستهلك أعمارنا في انتظار من لا يعرف كيف يحافظ علينا.
وإذا كان الصمت أحيانًا وجعًا، فإنه في كثير من الأحيان يكون آخر ما يملكه النبلاء حين تعجز الكلمات عن إنصاف قلوبهم.







