✒️ عرفات العلي ـ فرسان
في ظلال اليوم الوطني المجيد لا تقتصر احتفالات المملكة العربية السعودية على استحضار الحاضر المشرق والمكتسبات التنموية فحسب بل تمتد لتسليط الضوء على إرث حضاري يضرب بجذوره في أعماق التاريخ لالاف السنين وتتجلى هذه الأصالة في جزر فرسان تلك الدرة القابعة في قلب البحر الأحمر التي طالما كانت محط أنظار الإمبراطوريات ومركزا حيويا عبرته الحضارات المتلاحقة ولكنها رغم تعاقب الممالك والقوى العظمى عليها ظلت متمسكة بوجودها وحافظت على عربيتها النقية وأصالة هوية أهلها عبر العصور .
ويعود الوجود الحضاري للأرخبيل إلى الألف الأول قبل الميلاد إذ اكتسب اسمه التاريخي نسبة إلى فرسان بن عمرو القضاعي وقومه من قبيلة قضاعة التي استقرت في الجزر ودون أبناؤها اسم جدهم على الصخور بخط المسند القديم بصيغة ((فرسن)) على أحجار وادي مطر وغرين لتتحول فرسان بعدها إلى محطة استراتيجية حيوية تسهم في إدارة طريق البخور والتجارة البحرية تحت نفوذ مملكتي سبأ وحمير .
ولم يقف هذا الأثر عند حدود الممالك العربية القديمة بل امتد ليتجلى في المراجع الكلاسيكية العالمية إذ سجلت الجزر في كتاب ((طواف البحر الإرتري)) تحت اسم ((بورتوس فيريسانوس)) وتناولها كبار مؤرخي العالم القديم أمثال بليني الأكبر وبطليموس ويبرز في هذا السياق النقش اللاتيني الشهير المؤرخ بعام ١٤٤ ميلادية في عهد الإمبراطور الروماني (أنتونينوس بيوس) والذي يوثق وجود حامية عسكرية رومانية مرابطة في ميناء فرسان جرى تكليفها آنذاك بحماية خطوط الملاحة البحرية ومواجهة أعمال القرصنة .
ولم يقتصر حضور فرسان على الأهمية الجغرافية والتجارية بل برز شموخ أهلها وشجاعتهم في المواقف التاريخية الفاصلة حيث اتصف سكان الجزر بالفروسية والإقدام ولعل من أبرز الشواهد التي حفظتها كتب السير والتواريخ نجدتهم الشهيرة لأهل نجران إبان حادثة الأخدود الأليمة فعندما أقدم الملك الحميري (ذو نواس) على بطشه وحفر الأخاديد لإحراق المؤمنين في نجران سارع اهل فرسان بشجاعة نادرة إلى تقديم النجدة والعون والتحرك لإغاثة المظلومين والتضامن معهم في تلك المحنة العظيمة فضلا عن قصص البطولات البحرية والتصدي للغزاة و القراصنة الذين حاولوا السيطرة على المعابر الملاحية مما جعل فرسان حصنا عصيا وقوة لا يستهان بها .
ومع تعاقب القرون ودخول الإسلام حافظ النسيج الاجتماعي للجزر على أصالته العربية الهاربة من التغير واعتمد سكانه على الصيد والزراعة والغوص وتجارة اللؤلؤ وخضعت الجزر لعدة حقب تاريخية متعاقبة وشهدت تحولات سياسية كان من أبرزها اندماجها ضمن المخلاف السليماني وحكم الإدارسة قبل أن تستقر الأوضاع وتدخل المنطقة مرحلة جديدة كليا
وقد شهدت فرسان التحول الأعظم في تاريخها الحديث حين انضمت كليا تحت راية التوحيد على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود طيب الله ثراه لتبدأ الجزر مرحلة غير مسبوقة من الاستقرار والأمن والازدهار واليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وبفضل توجيهات سمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان آل سعود حفظهما الله والرؤية السعودية الطموحة تتطلع فرسان إلى مستقبل واعد يجمع بين أصالة التاريخ الشامخ ومشاريع التنمية والسياحة المستدامة لتظل شاهدا على وطن يعانق المجد من أعماق الحضارات القديمة إلى قمم الحاضر والمستقبل.







