ا. محمد باجعفر
تختزل عبارة “لا تزرع في دربي شوكًا، لعلك غدًا تأتيني حافيًا” فلسفةً عميقة في فهم طبائع البشر وتقلبات الزمان. إنها ليست مجرد تحذير يكتسي بوشاح العتاب، بل هي مراجعة أخلاقية مبكرة تُقَدَّم لمن يغتر بلحظة القوة أو يتوهم دوام الحال؛ فالحياة في جوهرها حركة متصلة ودائرة لا تتوقف، وما يُغرس اليوم على حفاف الطرقات، سنعيد المرور عليه حتمًا؛ إما سائرين في طمأنينة، وإما حفاةً تُدمينا عواقب ما بذرته أيدينا.
إن المغرور بموقعه أو قدرته قد يتوهم أن مساحات التقاطع مع الآخرين قد انتهت، فيستبيح إلقاء العقبات، ونشر الجفاء، وغرس الشوك في طريق من يراهم أقل منه قوة أو أضعف حيلة. غير أن الأيام كفيلة بإسقاط هذا الرهان؛ فالمواقع تبادلية، والأقدار تقلب الموازين بلا استئذان. وكم من عزيزٍ بالأمس أرهقته الحياة حتى صار يستجدي ممرًا آمنًا، وكم من قادرٍ أصبحت حوائجه معلقة في أيدي من كان يزدريهم.
يتطلب السير في هذه الدنيا التزامًا بما يمكن تسميته “أدب العواقب”؛ وهو وعي يقتضي ألا يحرق المرء الجسور التي عبرها، وألا يلوّث المناهل التي شرب منها، وألا يؤذي الأرواح التي قد يلتجئ إلى ظلها يومًا ما. فغرس الشوك في طريق الآخرين لا يعبر إلا عن ضيق الأفق؛ إذ ينسى صاحبه أن الزمان دَوّار، وأن الذي يتجاوز الأذى اليوم بصبره وتساميه، قد يرى مُؤذيه غدًا وهو يطأ آثار صنيعه وقد تجرد من سطوته وحمايته.
إن الحصيف هو من يجعل أثره في الحياة لينًا وطيبًا، ليس ضعفًا ولا انكسارًا، بل درايةً بنواميس الوجود، وحفظًا لخطوة غدٍ لا يعلم سرها إلا الله. فالكلمة الطيبة والموقف النبيل والترفع عن الأذى، كلها غراسٌ ناعمة تجعل الدروب آمنة للجميع، وتحفظ للمرء كرامته وملاذه حين تبخل الخيارات وتطول المسافات.
إن الدروب تعود لتقاطع أصحابها مهما اتسعت الأبعاد وتطاولت الأزمان؛ فمن بذر الخير واللين جناه سلامًا وأمانًا، ومن غرس الشوك فلن يلومنّ إلا قدميه حين تطآن جمر خطيئته.






