مقال/ الإعلامي خضران الزهراني
مدير فريق صدى التطوع الإعلامي بمنطقة الباحة
الإعلام ليس منصبًا يُضاف إلى السيرة، ولا لقبًا يُكتب بجانب الاسم، ولا وسيلةً للظهور أو تحقيق المصالح الشخصية؛ بل هو رسالة وأمانة ومسؤولية، والكلمة فيه موقف، والثقة فيه عهد، والمصداقية فيه أساس لا يمكن التنازل عنه.
الإعلامي الحقيقي لا يبحث عن منصب يرفع اسمه، بل عن عمل يرفع قيمة رسالته ويخدم وطنه ومجتمعه. ولا تُقاس مكانته بكثرة الألقاب، وإنما بما يقدمه من أثر، وما يتحلى به من صدق ونزاهة واحترام.
وفي العمل الجماعي، هناك أمور لا تقبل المساومة: الأمانة، والصدق، والوفاء، واحترام الزملاء، وحفظ الحقوق. فالخيانة ليست شجاعة، والكذب ليس ذكاءً، ونقل الكلام للإضرار بالآخرين ليس قيادة، والتلاعب بالثقة لا يصنع نجاحًا، مهما حاول صاحبه أن يزينه بالألقاب والمناصب.
ومن المؤسف أن تتحول بعض بيئات العمل إلى مساحة للصراعات الشخصية، أو السيطرة، أو التهميش، أو صناعة النفوذ؛ لأن الفريق الإعلامي لم يُنشأ ليكون ملكًا لشخص، وإنما وُجد لخدمة رسالة مشتركة.
وأؤمن أن قيادة الفريق لا تعني التسلط على أفراده، ولا التحكم في قراراتهم، ولا التضييق عليهم أو مضايقتهم. القيادة الحقيقية أن تكون قريبًا من فريقك، تسمع لهم، وتحترم آراءهم، وتمنحهم مساحة للإبداع، وتدعم مبادراتهم، وتحفظ كرامتهم، وتتعامل معهم بروح الأخوة والزمالة.
وأقولها بكل وضوح: لا أريد أن أكون قائدًا متسلطًا، ولا أرى القيادة سلطةً على الآخرين؛ بل أراها أمانةً أمامهم ومسؤوليةً تجاههم. نحن إخوة وزملاء وشركاء في رسالة واحدة، ونجاح أي عضو في الفريق هو نجاح لنا جميعًا.
أما من يجعل الكذب وسيلة، والخداع أسلوبًا، والوشاية طريقًا، وإقصاء الآخرين وسيلةً لإثبات الذات، فعليه أن يدرك أن المناصب لا تمنح الإنسان قيمةً حقيقية إذا فقد الأمانة والمصداقية. فالمنصب قد يتغير، أما السيرة والمواقف والأخلاق فتبقى شاهدة على صاحبها.
ومن أراد أن يقود، فليبدأ بقيادة نفسه؛ ومن أراد احترام الآخرين، فليحترمهم أولًا؛ ومن أراد ثقة فريقه، فليكن صادقًا معهم.
لا مكان في العمل الإعلامي الناجح لمن يظن أن السيطرة قوة، أو أن رفع الصوت قيادة، أو أن إقصاء الآخرين انتصار. القوة الحقيقية في الحكمة، والهيبة الحقيقية في الأخلاق، والقيادة الحقيقية في أن تجعل من حولك أكثر نجاحًا، لا أن تجعلهم يعملون خوفًا منك.
إننا بحاجة إلى إعلاميين يعرفون أن الكلمة أمانة، والخبر مسؤولية، والثقة عهد، والزميل شريك، والفريق أسرة عمل واحدة. نحتاج إلى من يختلف معنا باحترام، ويناقشنا بصدق، وينبهنا إلى الخطأ دون تجريح، ويبحث عن الحل بدلًا من صناعة المشكلة.
أما الخذلان، وكسر الثقة، والتهميش، والكذب، وتشويه الآخرين، فلا يمكن أن تكون أساسًا لفريق متماسك؛ لأن الفريق القوي لا يبنى على الخوف، وإنما يبنى على الثقة والاحترام والوضوح.
وطننا يستحق إعلامًا يليق بمكانته؛ إعلامًا صادقًا، مسؤولًا، مهنيًا، بعيدًا عن الشخصنة والمصالح الضيقة، يجعل خدمة الوطن والمجتمع فوق الأسماء والألقاب.
وفي النهاية، ستبقى المناصب قابلة للتغيير، والأدوار قابلة للتبدل، لكن الأخلاق لا تتبدل، والمواقف لا تُنسى، والأمانة لا تُشترى.
فلنكن يدًا واحدة، وقلوبًا متحابة، وفريقًا يجمعه الاحترام قبل العمل، والتعاون قبل المنافسة، والصدق قبل المصلحة.
لسنا هنا لنسيطر على بعضنا، بل لنسند بعضنا.
ولسنا هنا لنبحث عن الألقاب، بل لنصنع الأثر.
ولسنا هنا لنتنافس على المناصب، بل لنتعاون من أجل رسالة إعلامية تليق بوطننا.
الإعلام رسالة.. والأمانة أساسها، والمصداقية قوتها، والتكاتف طريق نجاحها.. والوطن غايتنا جميعًا.






