من «سنة الجوع» إلى «سنة كورونا».. حين كان الأجداد يؤرخون حياتهم بأسماء السنين

 

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه

لم يكن الأجداد في الجزيرة العربية يعتمدون على التقويم الرقمي، بل كان الحدث الكبير هو التاريخ بحد ذاته. فالجوع، والمرض، والمطر، والسيول، والجراد، والكسوف، كانت كلها مفاتيح للزمن، فيقول الناس: وُلد في سنة الجوع، وتزوج بعد سنة الهدام، ومات في سنة الجدري.

وهكذا تشكل تقويم شعبي متكامل، حفظته الرواية الشفوية قبل الكتب، وجمعه الباحثون في عشرات التسميات. والصورة المرفقة تستعرض أشهرها من 1328هـ حتى 1441هـ.

سنة ساحوت والجوع 1328هـ

أشهر سنوات القحط في نجد. جدب وغلاء وارتفاع أسعار، في مجتمع يعتمد على الزرع والضرع. بعض المصادر تسميها «ساحوت» وتضعها في 1327هـ أو 1328هـ، وهذا يؤكد أن التسميات كانت محلية تختلف من منطقة لأخرى.

سنة الجرب 1340هـ

انتشار واسع لمرض الجرب في الإنسان والماشية، في زمن كانت وسائل العلاج محدودة.

سنة البرد 1345هـ

يصفها كبار السن بأربعين يوماً من البرد القارس، لا تكاد تظهر فيها الشمس، هلكت فيها الزروع والمواشي وتوفي بسببها عدد من الناس.

سنة السبلة 1347هـ

لم يكن الحدث طبيعياً هذه المرة، بل سياسياً – عسكرياً، نسبة إلى وقعة السبلة الشهيرة في تاريخ الدولة السعودية.

سنة السلمية 1351هـ

أمطار غزيرة أغرقت بلدة السلمية، فخلد أهلها اسم بلدتهم في التقويم.

سنة الجدري 1358هـ

وباء فتاك انتشر في نجد، توفي بسببه خلق كثير، وفقد بعض الناجين بصرهم. لا يزال من أكثر الأسماء تداولاً.

سنة الشهاقة وسنة جبار 1360هـ

مثال طريف على اختلاف النظرة لنفس العام. سُميت «شهاقة» لمرض أصاب الأطفال بسعال شديد، وسُميت «جبار» في مناطق أخرى لأن الأرض جُبرت بالزرع والربيع رغم قلة المطر.

سنة الدباء 1364هـ

الدباء هو الجراد في اللهجة الشعبية، وفي هذا العام غزا الجراد المزارع وأتلف المحاصيل.

سنة الظلمة 1371هـ

كسوف كلي للشمس حول النهار إلى ليل، فحفظ الناس السنة باسم «الظلمة». ومع الحديث عن كسوف قادم، عادت هذه الذكرى للأذهان.

سنة الهدام 1376هـ

أشهرها وأشدها أثراً. أمطار استمرت 58 يوماً متواصلة، بيوت الطين انهارت بالجملة في القصيم وسدير وبريدة، واضطر الناس للنزوح للمرتفعات. آثارها بقيت سنين.

سنة كورونا 1441هـ

عادت الظاهرة في ثوب عصري. جائحة غيرت وجه العالم، وأصبحت علامة فارقة سيقول عنها أحفادنا: «حدث ذلك في سنة كورونا».

خاتمة:

هذه الأسماء ليست مجرد تواريخ، بل هي سجل اجتماعي حي، كتبه الأجداد بمعاناتهم وفرحهم. واجبنا اليوم أن نوثقها من أفواه كبار السن قبل أن تضيع، فخلف كل اسم قصة، وخلف كل قصة درس.

ملاحظة توثيقية التسميات المذكورة محلية، وقد تختلف السنة الهجرية الدقيقة أو تفسير الاسم من مصدر لآخر ومن منطقة لأخرى.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

نقش الحناء مخطوطة سحرية 

دكتور حسن الأمير على بساط الفجر الندي حيث تتشابك خيوط الشمس مع تفاصيل الجمال ليتربع نقش الحناء على كفها كأنه مخطوطة سحرية كتبت بمداد الهوى والغموض… تتجلى الحناء على يدها كـ قصيدة صامتة ونقوش أزهرت طريقها من حدائق الخلد لتستقر فوق بياض كفها الساحر……. تتأمل تلك التفاصيل فترى في كفها كونا مصغرًا الشرايين كأنها أنهار من نور والنقش الأحمر القاني كأنه شفق دافئ يرفض الغياب ينساب…

الجودة لا الكمية

بسم الله الرحمن الرحيم  د. خلف أحمد الزهراني  في خضم هذا العالم المتسارع الذي بات يقدّس الأرقام، ويتهافت خلف إحصائيات الكم الضخم والإنتاج المتهالك والانتشار السريع، كثيراً ما يقع الإنسان في فخ بصري ونفسي خطير؛ ألا وهو الاعتقاد بأن “الأكثر” يعادل بالضرورة “الأفضل”، وتأتي الصورة الفنية الجدارية التي بين أيدينا لتقدم معالجة بصرية رفيعة ومبتكرة تفكك هذه المغالطة، وتضع نصب أعيننا دعوة صريحة وعميقة لإعادة ترتيب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

مؤتمر «الحركة الكشفية بين التطوع والنشاط الاقتصادي» يختتم أعماله في الكويت

مؤتمر «الحركة الكشفية بين التطوع والنشاط الاقتصادي» يختتم أعماله في الكويت

أملكِ وردي تسدل الستار على حملتها للتوعية بسرطان الثدي 

أملكِ وردي تسدل الستار على حملتها للتوعية بسرطان الثدي 

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية شعرية للشاعر فايز البكري الشهري

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية شعرية للشاعر فايز البكري الشهري

نقش الحناء مخطوطة سحرية 

نقش الحناء مخطوطة سحرية 

الجودة لا الكمية

الجودة لا الكمية

محافظ بحرة يدشّن منصة الإسكان التنموي لجمعية الجود

محافظ بحرة يدشّن منصة الإسكان التنموي لجمعية الجود

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode