ترميم الأرواح.. حين يكون الاهتمام بلسم الصمت

 

​في زحمة الحياة وتسارع إيقاعها، نجد أنفسنا أحياناً نبتعد عن أولئك الذين يحتلون المساحة الأكبر في قلوبنا. نغرق في التزاماتنا، أو نقع في فخ الانتظار، ظانين أن الخطوة الأولى يجب أن تأتي دائماً من الطرف الآخر. غير أن الحقيقة الأكثر عمقاً هي أن العلاقات الإنسانية النبيلة لا تُقاس بمن يبدأ الخطوة، بل بمن يستمر في رعاية الطريق كي لا يطاله الجفاف.

​إن انتظار المبادرة كبرياءٌ صامت قد يخسر أمامه الإنسان أدفأ علاقاته. حين نربط التواصل بـ “من يسأل أولاً”، فإننا نحول المودة إلى ميزانٍ من الحسابات الدقيقة، بينما المودة في جوهرها نبعٌ يتدفق بعفوية دون شروط. أن تسأل أنت، أن تبادر، أن تطرق باب العافية في حياة من تحب دون انتظار، هو أسمى صور الوفاء، ودليلٌ على أن القيمة الحقيقية تكمن في صيانة الود وحمايته من أن يذبل.

​وفوق ذلك، ثمة زاوية خفية في النفوس البشرية لا يدركها إلا أصحاب القلوب الحية؛ ثمة من يحمل في صدره وجعاً لا يتكلم عنه، ومن يمر في أيامه بقلبٍ مثقلٍ بالإنهاك، لكنه يختار الصمت كي لا يُثقل كاهل أحد. في مثل هذه اللحظات، تأتي الرسالة البسيطة أو كلمة السؤال الصادقة لتصنع فارقاً هائلاً؛ فبعض الاهتمام يتجاوز مجرد كونه طمأنة عابرة، ليصبح بلسم خفي يرمم أرواحاً لا تخبر أحداً بما يؤلمها.

​الاهتمام الخفيف المنتظم هو أكسجين العلاقات الإنسانية، وهو الذي يجعل الأغصان تحافظ على خضرتها حتى في مواسم الجفاف. لا تدعوا الود يذبل خلف أسوار الانتظار، ولا تجعلوا المشاغل حائلاً بينكم وبين من تحبون؛ فربما تكون كلمة طيبة منكم اليوم هي كل ما يحتاجه أحدهم ليستعيد يقينه بالدفء والأمان.

بقلم /محمد باجعفر

صدى نيوز اس 1

Related Posts

من «سنة الجوع» إلى «سنة كورونا».. حين كان الأجداد يؤرخون حياتهم بأسماء السنين

  بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه لم يكن الأجداد في الجزيرة العربية يعتمدون على التقويم الرقمي، بل كان الحدث الكبير هو التاريخ بحد ذاته. فالجوع، والمرض، والمطر، والسيول، والجراد، والكسوف، كانت كلها مفاتيح للزمن، فيقول الناس: وُلد في سنة الجوع، وتزوج بعد سنة الهدام، ومات في سنة الجدري. وهكذا تشكل تقويم شعبي متكامل، حفظته الرواية الشفوية قبل الكتب، وجمعه الباحثون في عشرات التسميات. والصورة…

الإعلام رسالة وطنية.. والأمانة أساسها والتكاتف طريق نجاحها

  مقال/ الإعلامي خضران الزهراني مدير فريق صدى التطوع الإعلامي بمنطقة الباحة الإعلام ليس منصبًا يُضاف إلى السيرة، ولا لقبًا يُكتب بجانب الاسم، ولا وسيلةً للظهور أو تحقيق المصالح الشخصية؛ بل هو رسالة وأمانة ومسؤولية، والكلمة فيه موقف، والثقة فيه عهد، والمصداقية فيه أساس لا يمكن التنازل عنه. الإعلامي الحقيقي لا يبحث عن منصب يرفع اسمه، بل عن عمل يرفع قيمة رسالته ويخدم وطنه ومجتمعه. ولا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

في لفتة إنسانية.. قنصل المملكة في كانو يتفقد مرضى برنامج المسالك البولية بمستشفى أمينو كانو

في لفتة إنسانية.. قنصل المملكة في كانو يتفقد مرضى برنامج المسالك البولية بمستشفى أمينو كانو

جمعية حماية الأسرة تحتفي باليوم الوطني في دار الإيواء بجدة

جمعية حماية الأسرة تحتفي باليوم الوطني في دار الإيواء بجدة

ممارس في حماية.. دورة تدريبية معتمدة لتطوير مهارات المختصين في التعامل مع حالات العنف والإيذاء

ممارس في حماية.. دورة تدريبية معتمدة لتطوير مهارات المختصين في التعامل مع حالات العنف والإيذاء

أمير الحدود الشمالية يكرم الفرق الفائزة في إنبثون إمارة منطقة الحدود الشمالية للابتكار الرقمي

أمير الحدود الشمالية يكرم الفرق الفائزة في إنبثون إمارة منطقة الحدود الشمالية للابتكار الرقمي

ترميم الأرواح.. حين يكون الاهتمام بلسم الصمت

ترميم الأرواح.. حين يكون الاهتمام بلسم الصمت

من «سنة الجوع» إلى «سنة كورونا».. حين كان الأجداد يؤرخون حياتهم بأسماء السنين

من «سنة الجوع» إلى «سنة كورونا».. حين كان الأجداد يؤرخون حياتهم بأسماء السنين

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode