حال الانبياء في سورة الأنبياء.. حين يربّي الله قلبك قبل أن يغيّر قدرك

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه 

وجدت مقالة بقلم د. إيناس زكريا وفيها عجائب حال الانبياء 

حيث إن سور في القرآن الكريم تعلّمك الأحكام، وأخرى تشرح لك العقيدة، وسور تحمل في آياتها من القصص والعبر ما يربّي القلب ويهذّب النفس.

ومن السور التي تستوقف القلب سورة الأنبياء؛ فهي تجمع قصص عدد من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وتكشف من خلال ابتلاءاتهم ودعواتهم واستجابة الله لهم أن الشدة ليست نهاية الطريق، وأن البلاء لا يعني غضب الله، وأن أبواب رحمته تظل مفتوحة أمام عباده.

ومن أجمل ما يمكن أن يستوقف المتدبر في السورة:

أولًا: الابتلاء ليس دليلًا على غضب الله

تستعرض سورة الأنبياء صورًا متعددة من ابتلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فهذا يواجه قومه، وذاك يمر بمرض شديد، وآخر يواجه الشدائد والضيق، وكل واحد منهم له قصته وابتلاؤه.

ومن هنا تأتي العبرة: ليس كل ابتلاء علامة على غضب الله، فقد كان الأنبياء أشد الناس ابتلاءً، وهم أحب الخلق إلى الله.

فالابتلاء قد يكون طريقًا لرفع الدرجات، وتطهير النفوس، وتقوية الصلة بالله، وإظهار صدق العبودية.

ثانيًا: لكل ابتلاء دعاء يعبّر عن حال صاحبه

من أجمل ما تعرضه السورة أن دعوات الأنبياء عليهم السلام جاءت في غاية الصدق والتعلق بالله، ومن ذلك:

– دعاء يونس عليه السلام:

  قال تعالى:

  ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

ففي دعائه توحيد وتنزيه واعتراف، ثم جاء الفرج والاستجابة.

– دعاء أيوب عليه السلام:

  قال تعالى:

  ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾.

لم يكن في دعائه اعتراض ولا يأس، وإنما عرض حاله على ربه، واستحضر رحمته سبحانه.

– دعاء زكريا عليه السلام:

  قال تعالى:

  ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ﴾.

فكانت النتيجة استجابة من الله بعد دعاء ورجاء.

ثالثًا: تكرار الاستجابة يبعث الأمل

من اللافت في سورة الأنبياء تتابع قصص الدعاء والاستجابة، قال تعالى بعد ذكر دعاء يونس: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾، وقال بعد دعاء أيوب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾، وقال بعد دعاء زكريا: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾.

وهذه الآيات تفتح أمام المؤمن باب الرجاء، وتعلّمه أن الدعاء عبادة عظيمة، وأن على العبد ألا يستعجل الإجابة، بل يثق بحكمة الله ورحمته.

فالاستجابة قد تكون بالصورة التي طلبها الإنسان، وقد تكون بغيرها، والله سبحانه أعلم بما يصلح لعبده ومتى يكون الخير له.

رابعًا: أعظم أثر للابتلاء هو إصلاح القلب

ومن التأملات الجميلة التي تطرحها د. إيناس زكريا أن العبرة في قصص الأنبياء ليست في الأحداث الخارقة وحدها، وإنما في أثرها الإيماني.

فإبراهيم عليه السلام لم تكن العبرة فقط في نجاته من النار، وإنما في ثباته وتوكله على الله.

وأيوب عليه السلام لم تكن العبرة فقط في شفائه، وإنما في صبره وثباته وحسن ظنه بربه.

ويونس عليه السلام لم تكن العبرة فقط في خروجه من بطن الحوت، وإنما في عودته إلى الله وتسبيحه ودعائه.

وهنا يبرز معنى عظيم: المعجزة الحقيقية في حياة المؤمن أن يبقى قلبه حيًا بالله، حتى في أشد أوقات الابتلاء.

خامسًا: الرجاء لا يغيب مهما اشتدت الظروف

يجتمع الأنبياء في السورة على أصل عظيم: عدم اليأس من رحمة الله.

فقد تختلف الظروف، وتختلف الأعمار والأماكن والأسباب، لكن يبقى باب السماء مفتوحًا، ويبقى الدعاء صلة المؤمن بربه.

وعندما تضيق الأسباب أمام الإنسان، فإنه لا يفقد أعظم سبب؛ وهو اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى.

وقد جاءت قصة إبراهيم عليه السلام وهو في مواجهة قومه، وقصة يونس عليه السلام في الظلمات، وقصة أيوب عليه السلام في البلاء، وقصة زكريا عليه السلام في الكبر، لتذكّر المؤمن بأن قدرة الله لا يحدها ضعف الأسباب البشرية.

سادسًا: السورة تربي القلب على الثقة بالله

من أجمل الرسائل التي يمكن أن يستشعرها القارئ في سورة الأنبياء أن قصص الأنبياء ليست مجرد أحداث تاريخية تُروى، وإنما هي دروس إيمانية متجددة.

إنها تعلم الإنسان أن:

– لا يجعل شدة البلاء سببًا لليأس.

– لا يظن أن تأخر الفرج يعني غياب رحمة الله.

– لا يستصغر الدعاء مهما كان الهم كبيرًا.

– لا يغلق باب الرجاء مهما كثرت الأسباب التي تدعوه إلى اليأس.

– يتذكر أن الله سبحانه يسمع دعاء عباده ويعلم حالهم.

– يجعل قصص الأنبياء مصدرًا للصبر والثبات وحسن الظن بالله.

الرسالة الأعمق

وتبقى الرسالة الأهم أن قصص الأنبياء في سورة الأنبياء تقود القلب إلى معرفة رحمة الله ولطفه واستجابته وقربه.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي نجّى يونس عليه السلام من الغم، وكشف الضر عن أيوب عليه السلام، ووهب زكريا عليه السلام يحيى.

قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.

وهذه الآية تلخّص جانبًا عظيمًا من صفات أولئك الأنبياء: المسارعة في الخيرات، والدعاء، والخشوع.

وفي الختام

إذا تأخر الفرج فلا تيأس، وإذا كثرت الهموم فارفع يديك إلى الله، وإذا شعرت بالوحدة فتذكر أن الله سبحانه وتعالى لم يترك أنبياءه في شدائدهم، وإذا ظننت أن الطريق قد انتهى، فتذكر أن الله قادر على أن يفتح لك من أبواب الفرج ما لم يكن في حسابك.

قد لا تكون نبيًا، ولكنك تعبد رب الأنبياء.

والذي استجاب ليونس في الظلمات، وكشف الضر عن أيوب بعد البلاء، ووهب زكريا يحيى بعد الكبر، هو الله سبحانه وتعالى الذي يسمع دعاءك ويعلم حاجتك.

فلا تستصغر دمعة رفعتها إليه، ولا دعاء أخفيته بينك وبينه، ولا رجاءً حمله قلبك وأنت في أشد الحاجة.

فلعل دعاءً صادقًا ترفعه اليوم يكون بابًا لفرج يأتيك في الوقت الذي يقدّره الله لك.

سورة الأنبياء تذكّرنا بأن العبد قد يرى في محنته نهاية الطريق، بينما يكون لطف الله قد بدأ ينسج له بداية جديدة.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

المعلّم… صانع الأثر وباني الأجيال

بقلم أ. غميص الظهيري  في كل عام، يأتي اليوم العالمي للمعلم ليذكّرنا بأن وراء كل طبيبٍ ومهندسٍ وقائدٍ وكاتبٍ ومبدعٍ معلّمًا كان له أثر في بداية الطريق، وأن التعليم ليس مجرد كلمات تُكتب على السبورة أو معلومات تُحفظ في الكتب، بل رسالة عظيمة تُسهم في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. فالمعلّم هو من يحمل رسالة تتجاوز حدود المقرر الدراسي؛ فهو يغرس في نفوس طلابه حب العلم، ويعلّمهم…

إرث الأخلاق

  بقلم/محمد باجعفر حين تغدو القيم هوية ​لم تكن التربية التي تلقيناها من آبائنا مجرد كلمات تُملى، بل كانت منهج حياةٍ يُعاش، وإرثاً راقياً انهمر في أرواحنا كما ينهمر الغيث في الأرض الطيبة. لقد ورثنا منهم احترامَ الكبيرِ حتى وإن لم تربطنا به صلةُ قرابة؛ فلم يكن العابر في حاراتنا وقرانا غريباً قط، بل كان له في منظومتنا الاجتماعية والوجدانية مسمىً يرفعه إلى مرتبة الأهل؛ فنقول…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

خبراء السياحة» تحتفي باليوم العالمي للمعلم واليوم العالمي لكبار السن في مكة المكرمة

خبراء السياحة» تحتفي باليوم العالمي للمعلم واليوم العالمي لكبار السن في مكة المكرمة

حال الانبياء في سورة الأنبياء.. حين يربّي الله قلبك قبل أن يغيّر قدرك

حال الانبياء في سورة الأنبياء.. حين يربّي الله قلبك قبل أن يغيّر قدرك

المعلّم… صانع الأثر وباني الأجيال

المعلّم… صانع الأثر وباني الأجيال

والدة محمد عمر ابوزية في ذمة الله

والدة محمد عمر ابوزية في ذمة الله

القهوة السعودية حاضرة في يوم القهوة العالمي

القهوة السعودية حاضرة في يوم القهوة العالمي

«ترحال» يحتفي باليوم الوطني الـ96 ويستعرض خططه لتنشيط السياحة التراثية

«ترحال» يحتفي باليوم الوطني الـ96 ويستعرض خططه لتنشيط السياحة التراثية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode