إرث الأخلاق

 

بقلم/محمد باجعفر

حين تغدو القيم هوية

​لم تكن التربية التي تلقيناها من آبائنا مجرد كلمات تُملى، بل كانت منهج حياةٍ يُعاش، وإرثاً راقياً انهمر في أرواحنا كما ينهمر الغيث في الأرض الطيبة. لقد ورثنا منهم احترامَ الكبيرِ حتى وإن لم تربطنا به صلةُ قرابة؛ فلم يكن العابر في حاراتنا وقرانا غريباً قط، بل كان له في منظومتنا الاجتماعية والوجدانية مسمىً يرفعه إلى مرتبة الأهل؛ فنقول للأكبرِ قليلاً: “أخٌ كبير” ندين له بالتقدير ونستأنس برأيه، والذي أكبرُ منه: “عمٌّ” أو “خال” نجلّ مقامه ونحفظ هيبته، والكبير جداً: “جَدّ” نرى فيه بركة الزمان وذاكرة المكان.

​هذا السُّلم الوجداني في الخطاب لم يكن ألقاباً شكلياً، بل كان سياجاً أخلاقياً يصون المجتمع، ويغرس في نفوس الصغار أن السِّن مقامٌ يستوجب التوقير، وأن التواضع للكبار رفعةٌ وأدب.

​ولم تقف تلك التربية الأصيلة عند حدود الدم والنسب، بل امتدت لتصنع مظلةً واقية اسمها “الحارة” أو “الفرجان”، حيث للجارِ حقٌّ أكبر وأعظم. حقٌّ بُني على التفقد والمواساة وتقاسم الرغيف، عملاً وصَوْناً لوصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». كان الجار في ذاك الزمن الجميل أميناً على البيت، شريكاً في السراء، وسنداً يشتد به العضد في الضراء، حتى كأن الأبواب المتقابلة تفتح كلها على قلبٍ واحد.

​إن الإرث الحقيقي الذي تركته لنا تلك الأجيال لم يكن مالاً ولا عقاراً، بل كان خصالاً حميدة ومبادئ راسخة؛ غرسوها فينا بالقدوة الصادقة والموقف النبيل قبل أن يورثوها بالحديث.

​رحم الله آباءَنا الذين أورثونا الخصالَ الحميدة وربّونا تربيةً حسنة، وجزاهم عنا خير ما جزى غارساً على طيب غراسه، وجعلنا أوفياء لتلك المبادئ، ننقل أمانتها ناصعةً إلى الأبناء ليبقى الدفء الإنساني حياً في القلوب.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

نقش الحناء مخطوطة سحرية 

دكتور حسن الأمير على بساط الفجر الندي حيث تتشابك خيوط الشمس مع تفاصيل الجمال ليتربع نقش الحناء على كفها كأنه مخطوطة سحرية كتبت بمداد الهوى والغموض… تتجلى الحناء على يدها كـ قصيدة صامتة ونقوش أزهرت طريقها من حدائق الخلد لتستقر فوق بياض كفها الساحر……. تتأمل تلك التفاصيل فترى في كفها كونا مصغرًا الشرايين كأنها أنهار من نور والنقش الأحمر القاني كأنه شفق دافئ يرفض الغياب ينساب…

الجودة لا الكمية

بسم الله الرحمن الرحيم  د. خلف أحمد الزهراني  في خضم هذا العالم المتسارع الذي بات يقدّس الأرقام، ويتهافت خلف إحصائيات الكم الضخم والإنتاج المتهالك والانتشار السريع، كثيراً ما يقع الإنسان في فخ بصري ونفسي خطير؛ ألا وهو الاعتقاد بأن “الأكثر” يعادل بالضرورة “الأفضل”، وتأتي الصورة الفنية الجدارية التي بين أيدينا لتقدم معالجة بصرية رفيعة ومبتكرة تفكك هذه المغالطة، وتضع نصب أعيننا دعوة صريحة وعميقة لإعادة ترتيب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

مؤتمر «الحركة الكشفية بين التطوع والنشاط الاقتصادي» يختتم أعماله في الكويت

مؤتمر «الحركة الكشفية بين التطوع والنشاط الاقتصادي» يختتم أعماله في الكويت

أملكِ وردي تسدل الستار على حملتها للتوعية بسرطان الثدي 

أملكِ وردي تسدل الستار على حملتها للتوعية بسرطان الثدي 

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية شعرية للشاعر فايز البكري الشهري

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية شعرية للشاعر فايز البكري الشهري

نقش الحناء مخطوطة سحرية 

نقش الحناء مخطوطة سحرية 

الجودة لا الكمية

الجودة لا الكمية

محافظ بحرة يدشّن منصة الإسكان التنموي لجمعية الجود

محافظ بحرة يدشّن منصة الإسكان التنموي لجمعية الجود

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode