نتعلّم كيف نتأمّل

عبدالله شراحيلي

ليست الحياة دائمًا بحاجةٍ إلى أن نُسرع إليها، فبعض جمالها لا يُرى إلا حين نُبطئ الخطى، ونمنح أرواحنا فسحةً من الصمت، وننظر حولنا بعينٍ لا تبحث عن شيء، وإنما تكتفي بأن ترى.

نحن لا نتعب من الحياة وحدها، بل نتعب أحيانًا من الطريقة التي نعيشها بها؛ نُكثر من الركض خلف ما نريد، ونُرهق أنفسنا بما لم يحدث، ونحمل في قلوبنا أسئلةً لا تملك الأيام إجاباتها.

ثم تأتي لحظةٌ هادئة، نتوقف فيها قليلًا، فنكتشف أن أشياء كثيرة كانت تستحق منا أن نلتفت إليها.

كان علينا أن نتأمل وجهًا أحببناه قبل أن تسرقه الأيام، وأن نصغي إلى صوتٍ اعتدنا سماعه حتى ظنناه باقياً إلى الأبد، وأن نفرح بنعمةٍ صغيرة مرّت بنا دون أن نعرف أنها كانت واحدةً من أجمل عطايا الحياة.

التأمل ليس أن نحدّق في الأشياء، بل أن نراها بقلوبنا.

أن ننظر إلى السماء فنشعر بسعة الرحمة، وإلى المطر فنفهم أن بعد الجفاف حياة، وإلى الغروب فنوقن أن بعض النهايات ليست إلا استراحةً لبداية أخرى.

وحين نتأمل أنفسنا، نكتشف أننا تغيّرنا كثيرًا؛ أشياء كانت تؤلمنا بالأمس لم تعد تعنينا اليوم، وأشخاص كنا نظن أن الحياة لا تكتمل دونهم أصبح غيابهم جزءًا من سلامنا، وأمنيات ظننا أنها تأخرت ربما كانت تتأخر رحمةً بنا.

ما أجمل أن يبلغ الإنسان من النضج ما يجعله لا يسأل عن كل شيء: لماذا حدث؟ ولماذا رحل؟ ولماذا تأخر؟ ولماذا لم يكن كما تمنيت؟

فبعض الإجابات لا تأتي بالكلمات، وإنما تأتي بها الأيام.

نتعلم مع الوقت أن الهدوء ليس فراغًا، وأن الصمت ليس ضعفًا، وأن الابتعاد أحيانًا ليس هروبًا، بل عودةٌ إلى الذات.

نتعلم أن القلب الذي يظل مفتوحًا لكل شيء، يتعب من كل شيء، وأن الحكمة ليست أن نعرف كل ما يحدث حولنا، بل أن نعرف ما يستحق أن نمنحه اهتمامنا، وما ينبغي أن نتركه يمضي بسلام.

تأملوا تفاصيل أيامكم…

فربما في ضحكة طفلٍ درسٌ في الفرح، وفي يدٍ تمتد لمساعدتكم معنى الإنسانية، وفي كوب قهوةٍ هادئ حكاية راحة، وفي دعاءٍ صادق من قلبٍ يحبكم وطنٌ كامل من الأمان.

وتأملوا أنفسكم قبل أن تتأملوا الآخرين؛ فالإنسان الذي يصادق روحه، لا تهزمه ضوضاء العالم.

وحين نتعلم كيف نتأمل، سنكتشف أن الحياة لم تكن قاسية كما ظننا دائمًا؛ نحن فقط كنا نعيشها مسرعين، فلا نرى جمالها إلا بعد أن تفوتنا.

لذلك… لا تعبروا أيامكم عبور العابرين.

توقفوا قليلًا…

انظروا إلى السماء، إلى وجوه من تحبون، إلى النعم الصغيرة التي اعتدتم وجودها، وإلى قلوبكم التي صبرت كثيرًا.

فربما كانت السعادة طوال الوقت تسير بجواركم، لكنكم كنتم منشغلين بالبحث عنها في مكانٍ آخر.

وتلك هي حكمة التأمل: أن نكتشف قيمة ما بين أيدينا، قبل أن نعرف قيمته بعد أن يصبح ذكرى.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم بقلم أحمد علي بكري

  بقلم أحمد علي بكري في الحياة أشخاص لا يكون رحيلهم خسارة، بل يكون أحيانًا استردادًا لشيء ثمين فقدناه ونحن نحاول الاحتفاظ بهم؛ استردادًا لكرامتنا، وطمأنينتنا، وحقنا في أن نعيش دون أن نقضي أعمارنا في إثبات قيمتنا لمن قرر مسبقًا ألا يراها. وليس كل فراق مأساة، كما أن كل بقاء ليس فضيلة؛ فبعض العلاقات تنتهي في اللحظة التي ندرك فيها أن وجود الطرف الآخر لم يعد…

ظلمٌ يطارد الحقيقة… وإنسانٌ يقاوم القهر

  الإعلامي/ عادل بن محمد البكري أحيانًا لا يدرك الإنسان حجم الثمن الذي قد يدفعه حين ينطق بكلمة الحق. قد يقولها بصدق، ويكشف أمرًا كان يحتاج إلى أن يُكشف، ثم يجد نفسه أمام حربٍ من نوع آخر؛ حرب لا تُسمع أصواتها، لكنها تُرهق النفس وتستنزف الإنسان يومًا بعد يوم. لماذا قلت الحق؟ لماذا تكلمت؟ لماذا لم تصمت؟ أسئلة قد تُرمى في وجه من اختار الصراحة، وكأن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم بقلم أحمد علي بكري

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم  بقلم أحمد علي بكري

ظلمٌ يطارد الحقيقة… وإنسانٌ يقاوم القهر

ظلمٌ يطارد الحقيقة… وإنسانٌ يقاوم القهر

جمعية «دروب السروات» تصل إلى عسير مشيًا ضمن برنامج هايكنج اليوم الوطني السعودي الـ96

جمعية «دروب السروات» تصل إلى عسير مشيًا ضمن برنامج هايكنج اليوم الوطني السعودي الـ96

متقاعدو الشرقية يجددون الوفاء للوطن في احتفـال وطنى حافل ” عزنا بطبعنا “

متقاعدو الشرقية يجددون الوفاء للوطن في احتفـال وطنى حافل ” عزنا بطبعنا “

نتعلّم كيف نتأمّل

نتعلّم كيف نتأمّل

خبراء السياحة» تحتفي باليوم العالمي للمعلم واليوم العالمي لكبار السن في مكة المكرمة

خبراء السياحة» تحتفي باليوم العالمي للمعلم واليوم العالمي لكبار السن في مكة المكرمة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode