تركي الحاتم – جدة
هناك خوف نعرف سببه فنحاول الهرب منه وهناك خوف آخر لا يأتي من أمامنا بل ينهض فجأة من أعماقنا
لا باب يطرق ولا خطر يرى ولا شيء في المكان يستدعي الفزع ومع ذلك يبدأ القلب بالركض ويضيق الهواء وترتجف الأطراف ويتحول الجسد في لحظات إلى ساحة إنذار كاملة
تلك المسافة المرعبة بين أن يكون الإنسان آمنًا في الحقيقة وأن يشعر بأنه ليس كذلك هي المساحة التي اقتربت منها الفنانة التشكيلية لينة التونسي في عملها المشارك ضمن معرض (( أنت مختلف )) المقام في المركز السعودي للفنون الجميلة بجدة (( جاليري القصبي )) تحت إشراف الأستاذ علي القحطاني في تجربة فنية حملت المتلقي إلى منطقة لا ترى بالعين وحدها وإنما تستشعر من الداخل
لم تتعامل الفنانة مع نوبات الهلع بوصفها موضوعًا نفسيًا تريد شرحه وإنما بوصفها تجربة إنسانية يصعب على اللغة وحدها أن تحمل ثقلها
وهنا تبدأ قوة الفن
فثمة أوجاع نستطيع أن نحكيها وأخرى تعجز المفردات عن الوصول إليها فيأتي اللون ليقول ما لم تستطع الجملة قوله وتأتي اللوحة لتمنح الألم هيئة بعدما ظل طويلًا بلا ملامح
حين يصبح الإنسان خائفًا من جسده
ربما تكون إحدى أقسى صور نوبات الهلع أن الإنسان لا يعرف في لحظتها مم يهرب
فالخطر ليس أمامه
ومع ذلك يتصرف الجسد كما لو أن كارثة على وشك الوقوع فيتسارع النبض ويضيق التنفس وقد تبدأ الرجفة أو الدوار ويتسلل شعور بفقدان السيطرة ويتصاعد الخوف حتى يشعر الإنسان بأن شيئًا بالغ السوء يحدث له
لكن الأكثر قسوة قد لا يكون في لحظة النوبة نفسها وإنما فيما تتركه بعدها
فبعض من يمرون بهذه التجربة لا يخافون النوبة وحدها وإنما يعيشون مترقبين عودتها
وهكذا يولد نوع آخر من الأسر حين يصبح الإنسان خائفًا من الخوف نفسه
قد يتجنب مكانًا لأنه شهد فيه نوبة سابقة وقد ينسحب من مناسبة أو يتردد في الخروج أو السفر لا لأن تلك الأماكن خطرة وإنما لأن ذاكرته ربطتها بلحظة شعر فيها بأنه فقد السيطرة على نفسه
وهنا قد تبدأ الحياة بالانكماش شيئًا فشيئًا
فليست النوبة وحدها هي التي تأخذ المساحة بل انتظارها أيضًا
لا تقل له (( لا تخف ))
من السهل على من يقف خارج التجربة أن يقول (( اهدأ )) أو (( لا تفكر )) أو (( الأمر بسيط ))
لكن الكلمات التي تبدو منطقية لمن يقف على الضفة ليست بالضرورة كذلك لمن يغرق في اللحظة
فالإنسان الذي يمر بنوبة هلع لا يحتاج إلى محاكمة شعوره ولا إلى من يخبره بأن خوفه غير منطقي فهو في الغالب يعرف ذلك أصلً
ما يحتاج إليه هو الأمان
أن يجد من يبقى بجانبه بهدوء ويخاطبه بصوت مطمئن ويساعده على تنظيم تنفسه وتوجيه انتباهه إلى اللحظة والمكان من حوله دون تهويل لما يحدث ودون استهزاء بما يشعر به
فالاحتواء لا يعالج كل شيء لكنه يمنع الألم من أن يحمل فوق ثقله ثقلًا آخر اسمه الوحدة
والتعافي ليس محو الخو
من الأخطاء أن نتصور التعافي بوصفه وصولًا إلى حياة لا يوجد فيها خوف
فنحن بشر والخوف جزء من تكويننا
لكن التعافي يعني ألا يصبح الخوف هو صاحب القرار
أن يتعلم الإنسان فهم ما يحدث في جسده وأن يستعيد تدريجيًا ثقته بنفسه وألا يمنح تجربة مؤلمة سلطة دائمة على أيامه القادمة
وعندما تتكرر نوبات الهلع أو يصبح القلق من عودتها مؤثرًا في العمل أو العلاقات أو الخروج أو تفاصيل الحياة اليومية فإن الاستعانة بمختص في الصحة النفسية ليست علامة ضعف وإنما خطوة واعية نحو استعادة المساحة التي أخذها الخوف
وتوجد أساليب علاجية فعالة من بينها العلاج المعرفي السلوكي وقد تكون هناك خيارات علاجية أخرى يحددها المختص بحسب حالة كل إنسان واحتياجاته
كما أن الأعراض الجسدية الجديدة أو الشديدة أو غير المعتادة لا ينبغي افتراض أنها نوبة هلع من تلقاء أنفسنا لأن بعض الأعراض قد تتشابه مع حالات صحية أخرى ولهذا يبقى التقييم الطبي مهمًا عند الحاجة
الفن لا يعالج وحده لكنه يجعلنا نرى
وهنا نعود إلى عمل الفنانة لينة التونسي
فالفن ليس عيادة واللوحة ليست وصفة علاجية لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمي
أن تجعلنا نرى
أن نرى ذلك الإنسان الذي يجلس بيننا مبتسمًا بينما يخوض داخله حربًا لا يسمع ضجيجها أحد
أن نتوقف قليلًا قبل أن نصف أحدهم بالمبالغة أو الحساسية أو الضعف
أن ندرك أن بعض المعارك النفسية لا تترك جرحًا على الجلد لكنها تترك صاحبها منهكًا وكأنه عاد للتو من حرب
ولهذا فإن الأعمال التي تقترب من الصحة النفسية بوعي ليست مجرد أعمال فنية وإنما نوافذ إنسانية توسع قدرتنا على فهم بعضنا بعضًا
(( أنت مختلف )) وربما في اختلافك حكاية
يحمل اسم المعرض (( أنت مختلف )) في ذاته سؤالًا أكبر من الفن
فكم من إنسان اعتذر طوال حياته عن اختلاف
وكم من شخص أخفى قلقه أو خوفه أو هشاشته أو ألمه فقط حتى يبدو بالصورة التي ينتظرها الآخرون منه
ليس المطلوب أن يكون البشر نسخًا متشابهة في قدرتهم على الاحتمال
فلكل إنسان تركيبته وذاكرته ومعاركه وطريقته الخاصة في النجاة
وقد تكون الإنسانية الحقيقية ألا نسأل دائمًا (( لماذا يتصرف هكذا ))
بل أن نسأل أحيانً
(( ما الذي مر به حتى أصبح يشعر هكذا ))
ذلك السؤال وحده قادر على تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى كثير من البشر
ويبقى عمل الفنانة لينة التونسي تذكيرًا بأن الفن في أرقى حالاته لا يمنحنا إجابات جاهزة وإنما يجعلنا أكثر قدرة على الإصغاء لما لا يقال
فخلف بعض الوجوه الهادئة عواصف لم نسمع عنها
وخلف بعض الابتسامات قلب تعلم أن يخفي ارتجافه جيدًا
وخلف بعض اللوحات إنسان ينتظر فقط أن يفهم أحد ما الذي يحدث داخل
فلا تحتقر خوفًا لم تجربه
ولا تحاكم وجعًا لم تسكنه
ولا تظن أن هدوء الملامح يعني دائمًا هدوء الروح
قد لا نستطيع أن نوقف العاصفة التي تدور داخل إنسان
لكننا نستطيع على الأقل ألا نكون عاصفة أخرى









