بقلم: الإعلامية ميساء عقيل – جازان
من معرض اليوم العالمي للصحة النفسية في جازان
ليست كل الزيارات مجرد حضورٍ عابر، وليست كل المعارض أماكن نمرّ بها ثم نغادرها كما جئنا؛ فبعض الأماكن تترك في أرواحنا أثرًا لا تمحوه الأيام، وبعض الحكايات تصل إلى أعماقنا دون استئذان، وتوقظ فينا مشاعر كنا نظن أننا نستطيع السيطرة عليها.
خلال زيارتي للمعرض المصاحب لفعاليات اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي أقامه مستشفى إرادة للصحة النفسية بمشاركة عدد من الجهات، في الراشد مول بمدينة جازان، كانت لي وقفة مختلفة عند ركن «أصوات حقيقية.. تغيير حقيقي»؛ ذلك الركن الذي لم يكن مجرد مساحة للاستماع إلى مقاطع صوتية، بل نافذةً تطل منها أرواحٌ على حكاياتها، وتبوح من خلالها أصواتٌ بأوجاع ربما عجزت الكلمات عن وصفها.
جلست هناك، أستمع، دون أن أعلم أن صوتًا واحدًا قد يترك في قلبي كل ذلك الأثر.
شدّني أحد الأصوات، وأخذني معه إلى قصة إنسانية مؤثرة، قصة جعلتني أنصت بكل جوارحي، وكأنني لا أسمع حروفًا تتردد في المكان، بل أسمع وجعًا حقيقيًا يسكن قلب إنسان. ومع كل لحظة من لحظات الاستماع، كانت مشاعري تتزاحم داخلي، حتى وجدت دموعي تنهمر دون إرادة مني، وبكيت، ولم أستطع أن أتمالك نفسي.
لم تكن دموعي ضعفًا، ولم يكن بكائي مجرد تأثر عابر؛ بل كانت لحظة إنسانية صادقة شعرت فيها بأن خلف كل صوت حكاية، وخلف كل حكاية قلبًا مرّ بأشياء قد لا يعلم عنها أحد شيئًا.
كم من إنسان يبتسم أمامنا، بينما يخوض في داخله معارك لا يسمع أصواتها أحد؟ وكم من شخص يبدو قويًا في أعين الآخرين، وهو في الحقيقة يحتاج إلى من يسأله بصدق: كيف حال قلبك؟ هل أنت بخير حقًا؟
نحن أحيانًا ننشغل بمظاهر الناس، ونحكم على تصرفاتهم، ونفسّر صمتهم كما نشاء، دون أن نمنح أنفسنا فرصة لفهم ما يمرّون به. ننسى أن هناك آلامًا لا تُرى، وجروحًا لا تترك أثرًا على الجسد، لكنها قد تثقل الروح وتستنزف القلب بصمت.
في ذلك الركن، أدركت مجددًا أن الصحة النفسية ليست مجرد مصطلح نردده في المناسبات، ولا شعارًا يُرفع في يوم عالمي، بل هي حياة إنسان، وطمأنينة قلب، وحق في أن يجد المرء من يسمعه دون أن يحكم عليه، ومن يحتوي ضعفه دون أن يعيّره به، ومن يمنحه الأمان حين تضيق به الحياة.
لقد جعلتني تلك اللحظة أفكر في أولئك الذين يخفون أحزانهم خلف ابتساماتهم، وفي الذين يترددون في طلب المساعدة خوفًا من نظرة المجتمع، وفي الذين يحتاجون إلى كلمة رحيمة أكثر مما يحتاجون إلى ألف نصيحة. فليس كل متألم قادرًا على شرح ألمه، وليس كل من يصمت قد تجاوز وجعه، وليس كل من يقول «أنا بخير» يعني أنه بخير فعلًا.
أحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى من يحلّ مشكلاته كلها؛ بل يحتاج إلى قلبٍ يسمعه، وأذنٍ تنصت إليه، ويدٍ تمتد نحوه دون أن تشعره بأنه عبء على أحد.
ومن هنا، تأتي أهمية هذه المبادرات الإنسانية التي تمنحنا فرصة الاقتراب من تجارب الآخرين، وتذكّرنا بأن خلف كل إنسان عالمًا لا نعرف تفاصيله، وأن الرحمة ليست كلمة جميلة نقولها، بل موقف نعيشه، وإنصات نقدمه، ووعي نزرعه في مجتمعنا.
وإنني من هذا المنبر، أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى مستشفى إرادة للصحة النفسية، وإلى جميع الجهات المشاركة والقائمين على هذه الفعالية، على جهودهم المباركة في نشر الوعي بالصحة النفسية، وتعزيز ثقافة الاحتواء، وإيصال الرسائل الإنسانية بأساليب مؤثرة تلامس الوجدان قبل العقل.
شكرًا لكم على ركن «أصوات حقيقية.. تغيير حقيقي»، الذي منحني تجربة لن أنساها بسهولة، وجعلني أخرج من تلك اللحظة وأنا أحمل في قلبي الكثير من التأمل، ومزيدًا من الإيمان بأن الاستماع قد يكون بداية تغيير، وأن الوعي قد يكون بابًا للأمل، وأن الإنسان حين يجد من يفهمه، قد يشعر للمرة الأولى بأنه ليس وحيدًا في مواجهة ألمه.
شكرًا لكل يدٍ تعمل خلف هذه المبادرات، ولكل مختصٍّ يصغي إلى وجع الآخرين، ولكل إنسان اختار أن يجعل من مهنته رسالة، ومن علمه رحمة، ومن حضوره سببًا في تخفيف معاناة شخص آخر.
غادرت الركن، لكنني لم أغادر الحكاية؛ بقي الصوت يتردد في داخلي، وبقيت دموعي تذكّرني بأن الإنسانية ما زالت قادرة على أن تهزّ قلوبنا، وأن بعض اللحظات تعلّمنا ما لا تستطيع الكتب أن تعلّمنا إياه.
وفي الختام، أدركت أن أصعب الأوجاع ليست دائمًا تلك التي نراها، وأن أصدق الدموع قد تنزل من أجل حكاية إنسان لم نلتقِ به يومًا، لكنها لامست فينا شيئًا عميقًا من إنسانيتنا.
فلنكن أكثر رحمة، وأقل حكمًا، وأكثر إصغاءً لبعضنا بعضًا؛ فقد تكون كلمة طيبة سببًا في إنقاذ قلب، وقد يكون احتواء صادق بداية حياة جديدة، وقد يكون إنصاتنا لشخصٍ يتألم هو الرسالة التي كان ينتظرها منذ زمن.
فوراء كل صوت حكاية، ووراء كل حكاية إنسان، وكل إنسان يستحق أن يُسمع، وأن يُفهم، وأن يجد من يمدّ إليه يد الأمل. 💚








